فؤاد أبو راس

فؤاد أبو راس / لا ميديا -
ثمة لحظات في تاريخ الشعوب تتجاوز فيها المواجهات حدودها الجغرافية، وتتحول القرارات التي تتخذها العواصم إلى منعطفات كبرى تعيد ترتيب موازين القوة والنفوذ. واليمن، بما يمتلكه من موقع استراتيجي بالغ الحساسية، وتاريخ طويل في مقاومة التدخلات الخارجية، يقف اليوم في قلب معادلة إقليمية تتجاوز آثارها حدوده، وتمتد إلى أمن الجزيرة العربية والبحر الأحمر وطرق التجارة الدولية.
لقد كشفت السنوات الماضية أن الجغرافيا اليمنية قادرة على فرض حضورها في الحسابات السياسية والعسكرية والاقتصادية للمنطقة. وكلما ازدادت محاولات تطويق هذا البلد وإخضاع قراره لإرادات خارجية، تعاظمت الأسئلة المتعلقة بحدود القوة، وكلفة المواجهة، وقدرة الأطراف المختلفة على تحمل تبعات خياراتها.
ومن هنا تبرز مفارقة بالغة الخطورة؛ فقد تقود السياسات الرامية إلى إضعاف صنعاء، إذا مضت نحو مزيد من التصعيد واستقطاب القوى الإقليمية والدولية، إلى توسيع نطاق المواجهة بصورة تتجاوز حسابات أصحابها. فالحشود العسكرية والتحالفات المتعددة لا تضمن بالضرورة السيطرة على مسار الأحداث، خصوصاً حين تتداخل الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والممرات البحرية وحساسية البنية التحتية الاستراتيجية.
وتزداد هذه المعادلة تعقيداً إذا تآكلت فرص التسوية السياسية، وفقدت القيادة في صنعاء الثقة بجدوى المفاوضات وقدرتها على تحقيق تسوية تحفظ السيادة وتفتح الطريق أمام الاستقرار. عند تلك النقطة تصبح المنطقة أمام مرحلة أشد خطورة، تتراجع فيها قدرة الوساطات على احتواء التوتر، وتتسع فيها احتمالات القرارات الاستثنائية والتحولات غير المحسوبة.
وهنا تكمن المسألة التي ينبغي أن تستوعبها الرياض وسائر العواصم المعنية. إن التعامل مع اليمن من خلال الضغط العسكري والاقتصادي المستمر يستلزم كلفة تراكمية قد تتجاوز بكثير المكاسب التي يتصورها صانع القرار. فالشعب الذي خاض سنوات طويلة من المعاناة واحتفظ بحساسيته العالية تجاه الاستقلال والسيادة، يصعب أن يقبل ترتيبات تحدد له موقعه ومستقبله بمعزل عن إرادته.
ولليمن في هذا السياق خصوصية تفرض نفسها على الجميع. فمن يشرف على باب المندب، ويقع بمحاذاة أحد أهم مسارات الملاحة العالمية، ويمتلك امتداداً جغرافياً وبشرياً عميقاً في الجزيرة العربية، لا يمكن التعامل مع أمنه واستقراره باعتبارهما شأناً محلياً منفصلاً عن مستقبل الإقليم. وأي انفجار واسع في هذه الجغرافيا ستكون له تداعيات تتجاوز أطراف المواجهة المباشرة.
إن عزة اليمن تكمن في قدرته على صون قراره، وفي إصرار أبنائه على أن يكون مستقبل بلدهم ثمرة إرادتهم الوطنية. ومن هذه الحقيقة تنشأ قوة الموقف اليمني ومعناه التاريخي؛ فالسيادة التي دفع الشعب أثماناً باهظة دفاعاً عنها تظل أساس أي سلام قابل للحياة.
وإذا كانت المنطقة قد شهدت خلال العقد الماضي تحولات متلاحقة في موازين الردع والتحالفات والمصالح، فإن استمرار التصعيد وانحسار المسارات السياسية قد يدفعانها إلى منعطف أشد عمقاً، تتغير معه أولويات الأمن الإقليمي، وتتبدل طبيعة العلاقات، وتُطرح أسئلة جديدة حول مستقبل النفوذ الخارجي في الجزيرة العربية.
لهذا تبدو المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق العواصم الإقليمية أكبر من أي وقت مضى. فالخيارات التي تُتخذ اليوم قد ترسم ملامح عقود مقبلة، وقد تجعل من الأزمة اليمنية نقطة انطلاق لإعادة النظر في مجمل الترتيبات التي حكمت المنطقة طويلاً.
والخلاصة أن اليمن يمتلك من عناصر الجغرافيا والتاريخ والإرادة الوطنية ما يجعل أثره في مستقبل المنطقة أكبر بكثير من حجمه في حسابات بعض القوى. والسؤال الذي ستجيب عليه السنوات المقبلة هو: هل يُفتح لهذا البلد طريق يحفظ كرامته وسيادته ويؤسس لاستقرار مشترك؟ أم تستمر السياسات التي تدفع المنطقة كلها نحو امتحان تاريخي قد تتغير بعده قواعد اللعبة؟
فالتاريخ يحتفظ بذاكرة طويلة، والشعوب التي تتمسك بحقها في تقرير مصيرها تظل قادرة على التأثير في مساره، مهما اشتدت عليها الضغوط.

أترك تعليقاً

التعليقات