فضول تعزي
 

محمد التعزي

محمد التعزي / لا ميديا -

ثار الشعب اليمني بكل فئاته وطبقاته بما في ذلك الانتهازيون والمقربون من النظام، وكانت ملاحظة الإنسان العادي لحركة المظاهرات وجماهيرها تؤكد أنه لا فرق في حركة هذه المظاهرة أو تلك بين إنسان وآخر، فصاحب البنطلون والكرفتة يهتف إلى جانب الرعوي صاحب (المقطب) والإنسان الأغبر: "يرحل"، والمقصود بذلك علي عبدالله صالح الذي استغل منصبه الرئاسي في إثراء جيبه وأسرته ثراء فاحشاً على حساب الفقراء المستضعفين من أبناء اليمن الذي بدأ يطل من قبره وبرزخه المغرق في القدم على حياة جديدة، اسمها القرن العشرون.
كان الشعب صادقا وهو يطمع أن يسقط النظام، ولكنه فهم -وللأسف- أن النظام هو الرئيس، وليس البنية العميقة التي تجذرت في كل مؤسسات الدولة بما في ذلك مؤسسة العدل؛ التي لم يجد فيها اليمنيون غير الظلم، إذ بالإمكان أن يصادر القوي على الضعيف حقه والكبير على الصغير ماله، ويرى المرء بحزن عميق الأرامل والأيتام تلفظهم درجات المحاكم في كل أنحاء الجمهورية لأنهم يفتقدون منطق الواقع الذي أساسه الرشوة والمحسوبية، وكان من المنطق أن يتظاهر الناس الذين لم يستطيعوا دفع رسوم أولادهم في المدارس بعد أن غصت فصول هذه المدارس بالـ120 بل الـ150 من الطلاب الذين لم يجدوا تعليما محترما في إطار أصوات وضجيج تنطلق من أفواه هذه الجماهير المزدحمة من الطلاب، وكان على الأستاذ في المدرسة أن يخرج ليهتف كأخيه الذي ظلمته المحكمة، كأخيه الفقير الذي لم يجد قوت يومه، كأخيه المريض الذي لم يجد قيمة "إسبرين" أو "سرنجه" تعمل على تهوين الحمى ولهيب الجراح، كأخته الأرملة أم الأيتام التي صادر أقاربها حقوقها الشرعية وأذاقوها نكالا من الإذلال والإخضاع، كان بإمكان هؤلاء -وهذا من حقهم- أن يخرجوا ليصيحوا بأصوات عالية قد شحبت من ارتفاعها، بقولها "ارحل".
علي عبدالله صالح كان طاغوتاً جبارا وإماماً بزي بنطلون، ولم يكن قادرا على بناء مجتمع يسوده العدل الاجتماعي والسلام المعيشي والاستقرار الأمني، لأنه لم يفهم معنى التنمية ومعنى تقدم المجتمع أو تخلفه، ولقد ظلمناه -نحن المثقفين- عندما أردنا أن يكون قائد تغيير يقفز بالمجتمع إلى ما يمكن أن يكون عليه من تقدم ورخاء وسعادة لأنه كـ"فاقد الشيء لا يعطيه".
لقد ازدهرت في عهد صالح المحسوبية وبسط سلطان العادة المتخلفة (الرشوة) كمفتاح مغاليق للأبواب السلبية، فأنت تستطيع أن تشتري ذمة القاضي بـ"تخزينة قات"، وبإمكان المرء الأجنبي أن يحصل على البطاقة الشخصية اليمنية والجواز اليمني بدفعة من الريالات، وهذا ما لا يخفى على أحد.
لقد كان من حق شعبنا أن يعيش حياة ديمقراطية خالية من وباء المحسوبية والرشوة والمفهومات الرجعية والتخلف الأسود، ولكنه ـ ويا للهول ـ عانى أكثر مما عاناه آباؤه وأجداده من تخلف وظلم وفساد ذمة ولؤم طباع.
لقد كان الحكم الملكي معذورا عندما لم يؤسس مدرسة أو معهداً أو جامعة تحقق للشعب ما يحققه أي قائد أو زعيم لأمته، نقول كان الأئمة معذورين لأنهم كانوا منغلقين محصورين مكانا وزمانا بعقلية قديمة، لكن صالح لم يكن معذورا لأنه تعرف على بعض حركة الحياة في المجالين الإقليمي والدولي، فقد مكنته الظروف من رؤية بعض البلدان التي زارها من ناحية وما قدمه له الإعلام المعاصر من حركة حياة الآخرين، غير أنه لم يفعل، فكان أنانيا لأبعد حد، ومن ملامح سياسته أنه زاد الأغنياء غنى في عهده وزاد الفقراء في عهده فقرا كذلك، وأصبح المجتمع كله مشمولا بكثير من الموانع التي أعاقت حركته في سبيل أن يتقدم ولو خطوات إلى الأمام، ولذلك فإنه حتى المقربون -وإن فقدوا كثيرا من امتيازاتهم- عانوا كما عانى البعداء من قلق وخوف على مستقبلهم ومستقبل أولادهم، وإن لهذه المناسبة التي عادت لتذكرنا بتاريخه الماضي والحاضر أن تثير في نفوس كل أبناء اليمن عزيمة متصلة لا ينبغي أن تخمد لتتلافى سلبية الحكم "الصالحي"، وأن بإمكان المرء من خلال الواقع أن يلاحظ بشجاعة يقولها قلبه وإن لم تستطع لسانه أن تنطق بها، وهي أن ما يعانيه اليمن في الوقت الحاضر من صراع متعدد الدوافع إنما كان سببه الرئيس المقتول، وهذا ما يدفعنا إلى أن نتحلق حول رؤية وطنية واحدة نستشرف بها المستقبل دون ظلم أو مهادنة أو رياء أو نفاق.
علينا أن نكون واقعيين ننطلق بسماحة ومروءة وطيب نفس وإغفال للماضي إلا بما نستطيع أن نستهدي به ببعض إيجابيته لكي لا نظل نبكي الماضي ونحبط في الحاضر ولا نستضيء في المستقبل. ولقد يكون من المفيد أن نجعل من هذه المناسبة درسا نستوعبه دون تعصب أو حقد أو سخرية، فهذه الادواء تمنعنا من التقدم الذي نحب أن نصل اليه جميعا، والسلام.

أترك تعليقاً

التعليقات