سؤالان وجوابان
 

محمد التعزي

محمد التعزي / لا ميديا -
الثورات التي يقوم بها -غالباً- المثقفون، لحساسيتهم المتّقدة الفارقة، لأن المعرفة ريادة وأي ثورة بلا معرفة هي ثورة كسيحة عرجاء، وهذا أحد أسباب عداء مستحكم بين الثقافة والسلطة، وأبرز ما يميز الصراع بين الحاكم والمثقف، بدليل أن كثيراً من الثوار كانوا ضيوف المقاصل ومستوطني الرصاص وسكنة الصعق الكهربائي وأصدقاء التغييب القسري، والثقافة في واحد من معانيها تعني المعاصرة، وأذكر مقالة الإمام أحمد يحيى حميد الدين بعد أن خاب بلاطه في استئناس المثقفين، إذ خرج إليهم ذات مقيل ممتشقاً سيفه ليريهم إياه قائلاً يخاطبهم: "والله لأروين سيفي هذا من دماء العصريين".
ولا بأس أن نشير إلى أن كثيراً من الثوار قاموا بثورات ناجحة بسبب أن الثقافة خلقت عندهم رؤية ثورية وشوقاً لدفع الثمن، وإن كانت هذه الثقافة قد كلفتهم حياتهم، ففي اليمن شمالاً علي عبدالمغني في العصر الجمهوري، وأحمد بن يحيى الثلاثا والموشكي، وسالم ربيع علي وعبدالفتاح إسماعيل ولبوزة ومدرم في الجنوب...
على الأقل من حيث اختلاف الدخول وعدم المساواة في المنح التي تميز بين سعودي وسعودي، ثم ألم تكن البعوث العسكرية التي توفد كثيراً من أبناء الجيش إلى الخارج كافية لتبعث التمرد داخل القصر الملكي، كما بعثت بغداد الثلايا ليثور ضد القصر الإمامي في عرضي تعز؟! والجواب الذي يطرحه الواقع أن من الصعب أن يقوم هؤلاء المثقفون من أبناء الجيش أو أفراد الشعب بثورة من أي نوع، لأسباب منها أن معظم المبعوثين إنما هم من أبناء الطبقة الحاكمة أو المناصرين لها، ثم إن الجيش السعودي مدخولين بالمخابرات، وذلك طبع الدكتاتورية في كل مكان في العالم، فكل فرد في الجيش السعودي مرفوق بفرد من الأمن، وبخاصة في الأماكن الحساسة، فما الداعي للثورة، فالفيللا موجودة والسيارة تغير بحسب الموديل والسفر مع العائلة إلى أي مكان في الخارج والمرتبات والمكافآت سخية العطاء؟!
أما السؤال الثاني فهو: لم لا يثور العلماء وعلماء الدين بخاصة وقد كلفوا بأمر السماء أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر؟! والجواب سهل وبسيط: أن نظام بني سعود حاسم الإجابة في هذه القضية، إن جزاء من يعترض هو الموت، ولو كان هذا العالم الذي سبّح بحمد النظام وكبّر وهلل كالشيخ عائض القرني والشيخ العودة، ثم من المثقفين الجدد: عدنان وخاشقجي... إلخ.
وبكل توكيد أنه لن يسمح بأي اعتراض على النظام ولو كان هذا المعترض عم الملك أو أخاه أو ابن عمه، رجلاً كان أو امرأة، إذ تحول معظم القصور إلى سجون وقبور، وليست قصور "ريتز كارلتون" إلا بعض النماذج، والله وحده يعلم الجهر وما يخفى.

بدهي أن تتفق دواعي الثورات كل زمان ومكان، إن لم تكن متطابقة تماماً، فتكون على طريقة الأشباه والنظائر، لتوحد المشاعر الإنسانية التي طبعها رفض الاستعباد حتى من الخالق، فالفطرة تكره أن تكبل بقيود الأمر والنهي عدا لله رب العالمين عند الفطرة السليمة.
إن ضرب الأمثلة لن يكلفنا غير أن نذكر بعض الملابسات لنؤكد ما ذهبنا إليه من تشابه دواعي هذه الثورة أو تلك، حتى في إطار الأسرة الحاكمة ذاتها، ومثال أكثر طراوة ما سربته بعض وسائل الإعلام الغربي من أن سلمان بن عبدالعزيز، الملك «الصوري» للسعودية، قد ورّث أبناءه الصراع الملكي بين الإخوة الذين صاروا ملوكاً أو ظلوا أمراء يطمعون في الملك، فلنا أن نعلم لماذا انقلب فيصل ضد أخيه الملك سعود، ونعلم كيف قتل الأمير مساعد بن عبدالعزيز عمه فيصل بن عبدالعزيز، الذي ثأر لأخيه خالد بن مساعد الذي قتله فهد بن عبدالعزيز وزير الداخلية للملك فيصل بسبب أن «خالد» كان يقود المظاهرات ضد السلطة... ونعلم جيداً كيف قتل الإمام أحمد حميد الدين أخويه عبدالله وإبراهيم، وكيف سجن محمد بن سلمان أعمامه وسلب أموال كثير من أفراد الأسرة، أمراء وأميرات...
إن مشكل حكامنا أنهم لا يقرؤون، وإذا قرؤوا لا يعتبرون، لأنهم قوم لا يعقلون!

أترك تعليقاً

التعليقات