العدو في الداخل!
 

محمد التعزي

محمد التعزي / لا ميديا -
يخطط القادة في الداخل والخارج، إنجاحاً لانتصاراتهم في معارك قادمة معاصرة، مركزين على استراتيجية هدفها الأول والأخير إنجاح معركة ما. وقد حكى لنا التاريخ القديم والحديث والمعاصر أن كثيراً من القادة كانوا يضعون نصب أعينهم سلامة الجبهة الداخلية، ويحرصون على تنقية هذه الجبهة وتلك من كل ما يهدد استراتيجية وضعوها نصب أعينهم، ويتمثل ذلك في نقاء الجبهات من العناصر الآثمة والخيانات، كي تصفو الاستراتيجية من عوامل تفسد التخطيط الشامل لحسم معركةٍ ما مرتقبة.
لقد حرص الأولون، أمثال القادة «نابليون» و«بسمارك» و«أدولف هتلر»، على أن تنجح معاركهم نجاحاً ساحقاً، فكان على سبيل المثال «بونابرت» يداهم فجأة معسكرات الضباط للتفتيش، وكانت النتيجة أن عزل عشرات الضباط الذين لم يصلحوا ربطات أعناقهم أو أهملوا سترات بزاتهم دون أن يتفقدوا مواضع الأزرار... وقام بسمارك بسجن بعض الضباط وإحالتهم للتقاعد لأنهم لم يصلحوا جواربهم أو لم يلمعوا أحذيتهم... أما تشرشل فقد عزل كبار مساعديه لأنهم لم يعتنوا بتصفيف شعرهم لما تقتضيه الآداب العسكرية...
الحقيقة أننا نفتقر في العالم العربي لمثل هذه الصرامة، بل يتعدى الأمر إلى أننا لم نفتش عن طوابير الخونة والعملاء، وليس شرطاً أن تكون العمالة مرتبطة بخيانة أجنبية أو بمخابرات الأعداء، فقد يكون العدو من الداخل متمثلاً في تاجرٍ يتعدى تسعيرة الغذاء! وقد اجتمع صدام حسين إبان حربه مع إيران إذ جمع التجار على مستوى الجملة والتجزئة واتفق معهم على تسعيرةٍ معروفة للغذاء وزاد عن اتفاقه معهم أن ضاعف لهم المبالغ وأنذرهم بأنهم إذا زادوا فلساً واحداً على التعرفة المتفق عليها فإن مصير المتجاوز الإعدام، وبالفعل نفذ بعض الإعدامات بحق من خالفوا التسعيرة، وانضبطت السوق وأصبحت التسعيرة سارية بحسب الاتفاق.
ونحن لا نريد أن نكون كهتلر أو صدام حسين، ولكن نريد أن نقول إن لنا أعداء في الداخل يشنون حرباً على إخوانهم وأبناء مجتمعهم، بفرض تسعيرات تتجاوز القانون والتسعيرات السارية، فعلى سبيل المثال، أذهب للسوق ومعي ألف ريال لشراء فطور، حبة فول وعلبة لبن شاهي صغير و200 كدم أو روتي وعلبة فاصوليا صغيرة، فلا أرجع من الألف فلساً واحداً، إضافة إلى أن بقالاتٍ متجاورة كل واحد له سعر كما يريد، فحاولت ذات مرة أن أذهب إلى قسم الشرطة لأشكو لهم بعض التجار تجاوزوا السعر المعروف بأضعاف كثيرة، فطلب قسم الشرطة التاجر، فلما دخل التاجر وجدت رئيس القسم يقوم له إجلالاً بتحيةٍ عسكرية لا يستحقها، فعلمت أن هذا التاجر يقوم بتزويد هذا الضابط بمؤونة شهرية كي يرفع عنه حرج المساءلة.
نحن بحاجة إلى مراقبة هؤلاء الأعداء في الداخل، فليس العدو هو فقط الذي يرميك بصاروخ ولا بقاذفة ولا ينسف بيتك بطائرات مسيّرة فحسب؛ بل والعدو الذي ينبغي أن نكشفه من الداخل هو الذي يزيد معاناة الفقراء المحاصرين والذين ينبغي أن ننتبه لهم، لأنهم بمغالاتهم بالأسعار يوقدون تذمر الجماهير على أي نظام مهما كان عدله واستقامة منسوبيه.
إن هؤلاء الأعداء في الداخل لا يقلون عن أعداء الخارج خطورة، وهم سبب في كثير من إلهاب ضراوة الحقد في الداخل، وهم بحق الذين يفسحون الطريق أمام الأعداء في الخارج على السواء. والمطلوب في هذه المرحلة بالذات أن ننتبه إلى كيد التجار الفجار الفسقة الذين يحاربون شعبنا بإفسادهم معيشة الناس وتثوير الحقد على النظام، وأي نظام.

أترك تعليقاً

التعليقات