مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
كان العام 1994م؛ هو العام الذي شهد ذروة تجلي الأيديولوجيا الخونجية التي تبني جيشاً من الأفكار؛ قبل الجيش القاتل؛ لأن حربهم الدائمة منذ ذلك التاريخ هي: حربٌ على الإنسان؛ فهم يريدونه مسخاً، عبداً وأداة رخيصة. وبالتالي نعرف؛ بأنه: لم تكن حرب 1994 حرباً عسكرية فحسب، بل كانت قبل البندقية حرباً على المعنى، وحرباً على الوجدان، وحرباً على اللغة ذاتها. إنها حربٌ وُلدت في المساجد، وترعرعت في القلوب والعقول، واشتد عودها وامتد ظلها إلى كل سوق ومدرسة وحارة ومقيل ومسمر ووسيلة إعلام، ثم توّجت بالفتاوى، ثم نزلت إلى البنادق. فكانت البندقية آخر ما يفلسف كل تلك الثقافات، ويترجم كل تلك الأفكار.
في قلب تلك الحرب تقف شخصيتان: عبدالوهاب الديلمي؛ صاحب الفتوى. وعبدالمجيد الزنداني؛ قائد معركة «حرب الكاسيت» وصاحب الدعاية التي تقول: بأن نظام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية يسعى لهدم الكعبة.
وهما شخصيتان لا تُفهم الحرب دونهما. فهما اللتان حوّلتا خصماً سياسياً إلى كافر، ومعركةً على السلطة إلى جهاد، والقتيل اليمني إلى شهيدٍ في الجنة أو وقودٍ في النار.

أولاً: حرب أشرطة الكاسيت -الجيش الفكري الزاحف إلى العقول والقلوب
قبل أن تُطلق رصاصة واحدة في 1994، أطلق الزنداني حرباً أخرى عُرفت بحرب أشرطة الكاسيت.
من عام 1990 إلى عام 1994، كانت أشرطة الزنداني تنساب في كل مسجد ومعهد وسوق وسيارة أجرة في الشمال، تقول بصوتٍ واحد لا يتبدل ولا يتلعثم: الوحدة بين نظام مسلم في الشمال ونظام ملحد في الجنوب باطلة. النظام في الجنوب شيوعي كافر، لا يجوز الاتحاد معه، ولا الصلاة خلفه، ولا العيش معه.
كان يخطب في جامعة الإيمان وفي جامع الشهداء وفي المعاهد، وتُوزع أشرطته مجاناً. كان صوته يصل إلى حيث لا تصل الدولة، ويبني جيشاً من الأشرطة قبل أن يبني جيشاً من الرجال، ويعمر قلوباً بالحقد قبل أن يعمر جبهات بالسلاح.
وامتنع عبدالله الأحمر من مرافقة صالح في يوم إعلان الوحدة 22 مايو 1990، رفضاً لوحدةٍ بين نظام مسلم ونظام ملحد. كان ذلك إعلاناً رمزياً بليغاً: الوحدة عندهم ليست وحدة وطن، بل وحدة وظيفة ودور. فإن اختلفت الوجهة بطلت الوحدة، وإن توحدت الأرض تفرقت القلوب.
هكذا صارت الوحدة، التي حلم بها اليمنيون عقوداً وسالت من أجلها دماء، في خطاب الخونج مشروعاً مشبوهاً يحتاج إلى تطهير، لا إلى إتمام.
ثانياً: أسطورة هدم الكعبة -كيف يصنع الكذب جيشاً؟
في ذروة التعبئة، أطلق الزنداني وأنصاره دعاية كانت الأشد تأثيراً في الريف اليمني، والأعمق غوراً في الوجدان:
إن نظام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية يسعى لهدم الكعبة.
لم تكن دعاية عابرة. كانت دعاية مصممة بعناية فائقة لوجدانٍ يمني متدين.
اليمني قد يختلف معك على الأرض والسلطة والمال والمنصب، لكنه لن يختلف معك إذا قلت له إن الكعبة في خطر. الكعبة ليست سياسة، هي قبلته التي يولي وجهه شطرها خمس مرات في اليوم، وهي بيته الذي يحج إليه، وهي آخر ما يملك حين يفقد كل شيء. فإذا قلت له إن عدوك يريد هدم قبلتك، صار عدوك عدوه، وصارت حربك حربه، وصار دمك دمه. هكذا تحولت معركة سياسية بين حزبين إلى معركة مقدسة بين إيمان وكفر. وتحول الجندي الجنوبي، الذي هو يمني مثله، يصلي ويصوم، إلى عدو لله يريد هدم بيته.
وهذه هي وظيفة الدعاية في البتروإسلاموية: لا تقنع العقل، بل تستفز الوجدان. لا تناقش البرنامج، بل تزرع الخوف. فالخائف لا يسأل عن الدليل، بل يسأل عن البندقية. والمذعور لا يطلب برهاناً، بل يطلب رصاصة.

ثالثاً: فتوى الديلمي -تشريح نصٍّ قاتل
من هو الديلمي؟
عبدالوهاب الديلمي، وزير العدل في حكومة صنعاء أثناء الحرب، وعضو الهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح، وأستاذ الشريعة في جامعة الإيمان. كان صوت الفتوى الرسمية للحرب، والختم الشرعي على البندقية، والعمامة التي تبارك السيف.
ما نص الفتوى؟
الفتوى التي نُسبت إليه، وسُجلت بصوته في شريط، ووُزعت في الجبهات، تقول بجوهرها:
إن الحزب الاشتراكي اليمني حزب ملحد كافر، خرج عن الإسلام، وإن من يقاتل معه فهو مرتد، وإن من يقف في صف الوحدة الشرعية بقيادة صنعاء فهو مجاهد، وإن قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار.
وقد قال في ما نصه: إن الاشتراكيين في الجنوب أباحوا الخمر والزنا، ومنعوا الصلاة، وأرادوا هدم الكعبة، ولذلك يجب قتالهم، ويجوز سبي نسائهم وأخذ أموالهم كغنائم، لأنهم مرتدون.
وقد نفى الديلمي لاحقاً بعض الصيغ المتداولة، وقال إنه لم يفتِ بسبي النساء، وإن الشريط تم تحريفه. لكن النفي جاء بعد أن فعلت الفتوى فعلها. ففي الحروب، الفتوى كالرصاصة: لا يهم أن تعتذر بعد أن تصيب، ولا يهم أن تقول إنها خرجت من فمك خطأ بعد أن اخترقت الصدور واستقرت في القلوب.

أترك تعليقاً

التعليقات