دولةٌ يحكمها منهاج.. لا فرد
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
كثيرون هم أولئك الذين يرون أن كثرة ارتقاء قيادات عسكرية وأمنية وسياسية شهداء من الجمهورية الإسلامية في إيران ما هو إلا علامة على ضعف مناعة الدولة، وقدرة العدو على الاختراق، والوصول لأي قائد، أياً كان. ينسى هؤلاء أو يتناسون أن أيران تبني واقعها منذ البدء على أن القيادة، أياً كان موقعها، لا تمثل نفسها، وإنما تمثل الخط والمنهاج، الأمر الذي يحولها بعد استشهادها إلى رمز للخط، ومعنى يكسب الدولة والشعب مزيداً من القدرة على الثبات والبقاء والاستمرارية.
إن التركيز على جعل القائد بطلاً للخط، لا جعله هو الخط، هو ما قامت عليه إيران الثورة. هي بنية فكرية وسياسية لا تكون فيها النظرة للقائد كمدير أعلى، بل كفرد في إطار منظومة أو سلسلة من الطبقات القيادية القادرة على التكيف مع مختلف المخاطر والتحديات؛ إذ تستطيع الصمود ومواصلة الدفاع عن الدولة مهما كان حجم الفاجعة، وأياً كان المصاب، فثمة آلية للاستبدال، وإعادة ترتيب الصفوف، الأمر الذي يحفظ الدولة من التراجع، ويبقي المعركة بمستواها المتقدم في الوضعية والخطة والدور والخطاب. وهكذا لا يصبح الاغتيال مدخلاً لإصابة الدولة بالشلل التام؛ بل يصبح رافداً من الروافد التي تغذي الواقع السياسي، بما يحتاجه من مقومات القوة، ويولد في الجمهور عاطفةً مشبعةً بالوعي، مما يمكنهم من استيعاب الصدمة، فيتحمل كل فردٍ مسؤوليته بالدفاع، وينطلق في مختلف الميادين كصاحب رسالة له دور يجب القيام به، وبالتالي فهو ابن ثقافة أساسها الجهاد والشهادة، الأمر الذي يحتم عليه السير دون توقف، ويمنع عنه التبلد، أو الانسجام مع الذلة والاستسلام.
لقد منعت الجمهورية الإسلامية اختزال النظام في شخص، من خلال بناء سلسلة من الطبقات القيادية، التي لا تلغي مركزية الشخصية القيادية؛ لكنها تمنع وجود فرد يدور الكل حوله، فإذا فُقد ضاع كل شيء؛ لذلك لمسنا طبيعة هذا البناء، ووجدنا كيفيات انعكاساته وآثاره على الواقع.
نعم، قد يستطيع العدو توجيه ضربة لأي نقطة أو نقاط في الهرم القيادي لأي مؤسسة أو قطاع؛ أو لنقل: لقد استطاع العدو توجيه أكثر من ضربة لأكثر من رأس هرم قيادي داخل إيران؛ لكنه أدرك أنه في إيران لا يتعامل مع هرم إداري صامت أو جامد، بل مع بنية معتادة على تحويل الفقد إلى تعبئة، والتهديد إلى مناسبة لإعادة تعريف الذات والوظيفة والمعنى.

أترك تعليقاً

التعليقات