من باب الوفاء للمشروع
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
دعكَ من المنظرين، فهم لا يقدمون ولا يُؤخرون! فالساحة لم تعد ساحتهم، والزمن ليس زمنهم، فنحن مَن بيدنا مقاليد الأمور كلها، ولنا وحدنا الحق في قول ما نريد، وفعل ما نشاء! هكذا بات رجل المسؤولية أياً كان موقعه في بلادنا يقول، لذلك مهما قدمت إليه من أفكار، وأسديت له من نصائح؛ فلن يلقي لها بالاً، لأنه يرى أن وظيفة المثقف والأديب والإعلامي والمختص في أي علمٍ من علوم الطبيعة والإنسان، أو الخبير في أي حقلٍ من الحقول المختلفة هي التأييد لكل السياسات والأفكار القائمة، ومباركة كل الخطوات والقرارات والقوانين والأعمال والممارسات الصادرة عن الحكومة، لا نقدها وتصويبها، وبيان الصحيح والسقيم منها، وهكذا يقال لك من قبل الكثير من الجهات والشخصيات: أنت كمثقف، وعامل في ساحة الكلمة؛ لا يجوز لك في ظل هذه التحولات الكبرى الناتجة عن الوقوف المشرف مع فلسطين أنْ تنشغل بأي قضية من قضايا المجتمع، أو تتناول ظاهرة من مظاهر الفساد والانحراف، أو تنادي بإنصاف مظلوم، فهذه كلها ليست أولوية في المرحلة الحالية، وهي مع ذلك من الأمور الصغيرة التي من العيب الحديث عنها لاسيما إذا ما كانت فلسطين والقدس حاضرة في المشهد، وما عليك فعله هو أن تكون بمثابة مكبر صوت لما نقول، وأداة رصد لما نفعل، فقط لا غير!
فمَن يقنع عالي الجناب أنْ قيمة ما يحمله الإنسان من أفكار لا تقاس بمستوى نزوعها إلى الخطاب العقلي المجرد، أو بإغراقها الكلي في كل ما له علاقة بالقيم الجمالية والفنية، وإنما تُقاس بمستوى قدرتها على إحداث تحولات ملموسة في واقع المجتمع الذي نشأت فيه، واعتبرته ميداناً لها، فهي دوماً الحريصة على توليد الكلمات التي تدخل إلى القلوب، فتبعث الضمائر بعد موتها الطويل، محدثةً بذلك انقلاباً على كل المفاهيم والتصورات التي ظلت النفوس أسيرةً لها مدةً من الزمن، دافعةً نحو إقامة علاقات اجتماعية سليمة من كل مظاهر الظلم والاستغلال الطبقي، بعيدة كل البعد عن شتى صنوف المعاملات القائمة على الغش والكذب والاحتكار، خاليةً من كل ما يشجع على بقاء الجهل المدمن على تقديس الخرافات، والعامل الرئيس في زيادة نموها واتساع دوائر تأثيرها والتأثر بها، موجهةً نحو التزام الإيجابية المطلقة في كل السلوكيات التي تنطبع بطابعها حركة المجتمع في أقواله وأفعاله وسائر ممارساته المتبعة لمزاولة جميع أنشطته في ميادين حياته كلها، وهي في ذلك كله: متصلةٌ بالله، ممتثلةٌ لتعاليمه، لكي تستطيع إيجاد الإنسان القادر على العطاء في عالم الشهادة، بناءً على ما يخلقه في نفسه إيمانه بالغيب من دوافع للحركة العملية، ويحدده له من غايات وأهداف استوطنت روحه، وسيطرت على كل نوازعه الحسية والشعورية، بفعل ما وعاه من الخطاب الإلهي المتضمن بيان مآل كل عمل من حيث نتيجته المحكومة بمقتضى وعد الله ووعيده، فتتربى النفوس على مراقبة الله، محققةً بذلك الاستقامة في كل شيء، تسير بثبات نحو غايتها مهما كان حجم الخطر ومستوى التحدي.
وهكذا هي المسيرة التي عملت على أنسنة الدين، وذلك بتحويله إلى أيديولوجيا تنظم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وتفتح له آفاق معرفته بالكون والوجود من حوله، لكي ينفتح على الزمن ليعي دوره التاريخي، ويدرك وظيفته على هذه الأرض، ولكن ما إن تمكنت هذه العقيدة أو الأيديولوجيا من النفوس، وصنعت تحولات كبرى، وقضت على أصنام وفراعنة وطواغيت، وعادات وأفكار ومعتقدات جاهلية حتى اصطدمت بها مرةً أخرى أو تكاد، وإنْ بأشكال مختلفة على ما كانت عليه في الماضي، إلا أن المضمون يبقى واحداً على كل حال أياً كان الشكل، ومرد كل ذلك إلى المعتنقين لتلك العقيدة، الذين تتحول القداسة في ذهنيتهم شيئاً فشيئاً من قداسةٍ للفكرة ومصدرها الذي هو الله تعالى، إلى قداسة للنظام المتبع، والشخصيات القائمة عليه، فيُحرم النقد، ويُجرم أي فعل احتجاجي على أي عمل من قبل الرموز فيه خروج عن الثوابت، ليصبح الواقع كله قائماً على التصور الفكري المنغلق والمحدود، محكوماً بعصا الظلم والاستبداد، فتتحقق بذلك القابلية للاستعمار والذلة والانحطاط في النفوس من جديد.
ولا بد من التنبيه في نهاية المطاف إلى الحقيقة التي تقول: إن خونة الفكرة الحقة يعملون دائماً على إلهاء الجماهير بقضايا بعيدة عما يقاسونه من ظروف، ويمرون به من معاناة، همهم الوحيد هو: حماية مواقعهم ورموزهم، حتى وإنْ كان ذلك مؤدياً إلى تراجع القيمة للفكرة بفقدان آثارها تدريجياً، أو إماتتها بالمطلق، سواءً في نفوس الناس أو في واقعهم.

أترك تعليقاً

التعليقات