غداً سنصل
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
يأبى عقلك أحياناً إلا أن يهجم عليك فجأةً بسلسلة من الأحداث التي مضت وانقضت، وملفات من الذكريات التي لا تحصى بحلوها ومرها، وجيدها ورديئها، فتجد نفسك محاطاً بالورد والشوك والجمر والسكاكين، بالحزن والسعادة، بالفرحة والمأساة، بالآمال والآلام والأحلام والخيبات، ثم أنت مجبرٌ على الوقوف عليها صفحةً صفحة، واسترجاع جميع مراحلها بكل صورها ومشاهدها وأحداثها وأشخاصها وأماكنها، وكلما حاولت التملص والفرار منها؛ أحكمت قبضتها عليك أكثر فأكثر، حينها لا تملك إلا أن تستسلم أمام سطوة العقل، وهيمنة الذكريات القاسية، فتبدأ الحوار والنقاش مع ذاتك، بحضور ضميرك ووجدانك قائلاً: كيف تحملت كل هذا العذاب وطويت كل هذه الدروب المسكونة بالمصائب؟ وكيف لم أحسب حينها لأي تضحية في سبيل الوصول إلى هدفي وبلوغ غايتي حسابا؟
والسؤال الأهم هل وصلت إلى هدفي، وبلغت غايتي فعلاً أم لا؟ وهنا تخنقك العبرة، وتتفجر من بين جنبيك براكين من الحسرات والآهات، لتقول لك: إنك لم تصر بعد ذلك الشخص الذي كنت ترجو، ناهيك عن بلوغ ما كنت تريد، فتحسس جسدك كم به من كدمات وجراح! وتأمل كم أنت هش ومهزوم وضعيف، فتجيب:
لكني مازلت قادراً على الحركة، مالكاً لإرادة الفعل، حافظاً لنفسي من الوقوع في بؤر الخزي والعار والمذلة والعبودية، محتفظاً بقلمي ولساني، اللذين لم يهتفا حتى الساعة سوى للحق والعدل والحرية، ولم يتجندا لغير الله وكتابه ورسله وأعلام دينه، ولي وجودٌ بين ثوار وأحرار بلدي، أسير وإياهم في إطار موقف وقضية، وغداً نصل.
فتجيب متهكمةً: غداً تصلون! مَن قال لك ذلك؟ إن سفركم سيطول ويطول ويطول إلى ما لا نهاية، وربما تموتون قبل الاقتراب من أبعد نقطة للوصول، فأرد: لا بأس، فإننا بهذا نكون قد أسسنا للآتين بعدنا، وخففنا عنهم متاعب ومؤن الرحلة المضنية والسفر الطويل. فتعاود القول بسخرية لاذعة: فعلاً خففتم عنهم كثيراً وكفيتموهم معظم المخاطر والمزالق والمتاهات! يا عزيزي لك أنْ تحلم، ولكن ثق:
أن أي ثورةٍ لا يجيد بنوها ترجمة لغة بندقيتها إلى تيار يسري في الواقع باعثاً الحياة في عالم الأفكار، والحركة في كل الأشياء في عالم الطبيعة، معززاً من سيادة المفاهيم والقيم والمبادئ والأهداف التي جاء بها المنهاج، وانطلقت بفعلها ومن أجلها الثورة؛ فسوف يجدون من بينهم مَن سيتحولون إلى وحوش لافتراسهم، ومحو وجودهم، لذلك كثيرةٌ هي تلك الثورات التي أكلت أبناءها!
قلت: صحيح، ولكن لن نكون منهم، فثورتنا قادمة على مرحلة اقتلاع جذور مَن بدت عليهم مظاهر التوحش، وكسر أنيابهم، ثم إننا غداً سنصل.

أترك تعليقاً

التعليقات