عادة الأحرار
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
كم هنالك من أناسٍ اتخذوا الحقَّ مطيةً إلى بلوغ مقام المنصب والنفوذ والشهرة، ولما وصلوا إلى ذلك المقام امتطاهم الباطل، وعشّشَ النفاقُ في قلوبهم، وتفجّر الكذب والتزييف والتحريف لكل ما هو حق من كل خلية من خلايا أجسادهم!
والجدير ذكره أن أحطَّ وأسوأ هذا الصنف هم: أولئكَ المعدودون من رجال الكلمة وأرباب القلم، الذين استطاعوا الوصول إلى قلوب وعقول الجماهير، ونيل محبتهم واحترامهم بالانحياز إلى صف المظلوم، والمجاهرة بمعاداة الظالم، وتبني كل ما هو حق، والقرب من المسحوقين، والاندماج بالعامة، وترجمة الإحساس بهمومهم ومشكلاتهم إلى صرخات تبدد عتمة اللا مبالاة، وتفضح الفساد والاستبداد والعجز والقصور والعشوائية؛ فصاروا حديث الشارع، وزينة المقايل، وكلما أطلّ أحدهم من الشاشة أو المذياع أو الصحف، تلقفته العيون والأسماع، والجميع يردد: هذا منا، بل هذا نبضنا، وترجمان آمالنا وآلامنا. ولكن ما إن صاروا أصحاب مناصب، وذوي نفوذ ووجاهة، وباتوا ضمن الدائرة المقربة من السلطة، حتى غدا المظلوم: مقلقاً للسكينة العامة، وشكلاً من أشكال التهديد للأمن والاستقرار، إذا ما استغاث، ورفع صوته طلباً للإنصاف، وأضحى محارب الفساد، الغيور على ثورته، والمخلص لقائده ومشروعه: عميلاً وأداة رخيصة بيد العدو الخارجي للقضاء على الدولة والمجتمع!
نعم، هؤلاء هم الأحط والأسوأ، ولو كان فيهم ذرة شرف أو دين أو كرامة لأدركوا أنه: ليس من اللائق برجلٍ نزيه صاحب قلم ولسان، أن يُكرّس نفسه للمظاهر الخادعة، وأن ينشغل قلبه بالتفاخر والعلو الزائف، وأن يمتهن التعمية والتدليس والتلبيس على الناس؛ فالحق قويٌّ وثابتٌ، والباطل زهوق وغير جدير بالبقاء والاستمرارية.
لذلك، فإن مَن يود أن يعصم نفسه من السقوط كما سقط هؤلاء، عليه أن يُزيّن لسانه بالحق القاطع في كل ما ينطق به، وأن يشحذ كلامه دوماً كما يُشحذ السيف، حتى لو هبّت عليه رياح الافتراء ووقع عليه عبء الإهانة.
وما الذي ستخسره إن ظللت ثابتاً حراً؟! لا شيء. بل ستربح حينما يخسر المذبذبون والتافهون. فاليوم تستثقل الآذان قولَ الحق، وغداً تتسع العيون للعمل به. وعندما تفتح الأجيال القادمة كتاب الزمن، ستعلم أن نية المتحدث كانت منفعة الناس، وأن خطواته كانت لغرس صفات الصادقين الساعين للصلاح، لا رغبةً في مدح المادحين، ولا خوفاً من المستهزئين.
إن الحق هو عماد الخلود والشرف والسمو النفسي والفكري، وسبيل الفلاح. أما الباطل فهو أصل الهلاك والخسة وانعدام الوزن. والرجل هو من يتخذ الكلام القوي والواضح والصريح درعاً للمواجهة، ويعتبر الصمت مدخلاً لكل فساد.
هذه هي عادة الأحرار. فإن قالوا، لمست في كلامهم دفء الحماس للتغيير والبناء المفعم بالحب والصدق، وإن اتجهوا للعمل تجد في أعمالهم سعة الأفق وروح الحكمة، وإن برزوا للمواجهة لمست فيهم ثبات الجبال، وصلابة الصخر. وفي كل الأحوال يراهم الجميع كنماذج للاستقامة والصبر، والتواضع والرحمة اللذين ينبعثان منهم كهبّات النسيم بلطافتها ورقّتها.

أترك تعليقاً

التعليقات