جنةُ اليماني
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
ليتنا بقينا أطفالاً! فجنةُ اليماني هي طفولته. نعم، طفولته. وكأنه نسخةٌ مكررةٌ من قصة أبي البشر آدم (عليه السلام) قبل الخروج من الجنة التي أسكنه الله فيها، فقاده حب الخلود، والطموح إلى الجاه والسلطان إلى الأكل من تلك الشجرة التي سبق ونهاه الله عنها، ليستفيق بعد ذلك على المأساة؛ مأساة الجوع والعري والمرض والفقد والشقاء؛ مأساة البحث والكدح عن ما يسد به رمقه، ويستر جسده، ويُذهب آلامه، ويشعره بالاستقرار، ويحقق له الأمن والسعادة.
إن إبليس (لعنه الله) بوسوسته لآدم؛ لم يتحرك في الفراغ، بل عمل على مخاطبة النوازع الداخلية لآدم، فاستثار كوامن نفسه ليخرجها إلى السطح، وما مقاسمته إياه وزوجه بأنه من الناصحين إلا المفتاح الذي به تم فتح جميع الأبواب لخروج المارد الآدمي من سجون النفس، وهكذا في ما يفعله الشيطان في أبناء آدم إلى اليوم، وحتى يرث الرحمن الأرض وما عليها؛ فهو لا يسقط في حبائله أحداً إلا بعد أن يجد فيه القابلية لذلك، ولا يضم إلا حزبه إلا مَن سلم له مقاليد روحه ليقوده إلى حيث أراد.
نعود إلى قصة خروج اليماني من جنته؛ فما أعظمها من (تراجيديا) فالمسكين كان يحن إلى اللحظة التي سوف يصير معها رجلاً، ولم يكن يدري أن كل خطوةٍ يتقدم من خلالها لإثبات وجوده تسير به نحو العدم! فهل ثمة ما هو أقسى من هذا؟
إن المواطن اليمني حين يغادر طفولته؛ كمَن يُلقى به في أخدود مشتعل بالنيران، فيظل يحترق ويحترق حتى يغدو رماداً، وكلما تجاوز مرحلة من مراحل العمر قبل ذلك كله فقد شيئاً من روحه، من طموحه، من آماله، من شغفه بالحياة، من إحساسه بوجوده، إلى أن يصير فاقداً لكل ما من شأنه أن يوحي له بأن لوجوده أي قيمة أو معنى.
وذلك الشعور هو ما يغدو رفيق دربه حينما يبلغ الثلاثين من عمره، وهي بالنسبة له مرحلة الذبول والانطفاء التدريجي لروحه وقلبه، مرحلة الرضا بالأدنى وليته يجده.
أي وجع هذا؟
إنه من بين معظم شعوب العالم في معركة دائمة حامية الوطيس مع أكثر من عدو، وعلى كل الجبهات، فلا يستريح من جولة إلا ليدخل في جولة أخرى، وتلك هي قصته التي لا تقف عند حد. فهو الملقي في الجحيم من المهد إلى اللحد.

أترك تعليقاً

التعليقات