مأساة الإمام
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لم تكن المعارك الثلاث التي تزعمها الناكثون والمارقون والبغاة القاسطون في مواجهة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، هي العامل الذي أنهك قوى دولة العدل الإلهي، وحالت دون قيام أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام بتنفيذ برنامجه الثوري الإصلاحي التحرري، من منطلق المشروع والنهج الذي يحمله كأمانة من الله ورسوله، ولكن السبب الحقيقي الذي أدى إلى ذلك هو: جيش الإمام، وحاضنته الشعبية، الذين باتوا ميالين للدعة والراحة والسكون، لا يرغبون بقتال أهل الباطل، حتى لدفع العدوان عن مدنهم وقراهم وأسواقهم، باستثناء ثلة قليلة من المؤمنين الخلص، الذين عرفوا ربهم، فعرفهم اللهُ إمامهم، فقاموا بواجبهم خير قيام، أما الأغلبية فقد ظلوا على ما هم عليه من ذلة واستكانة وخضوع وتخاذل، على الرغم من مساعي الإمام للارتقاء بوعيهم، وبناء روحيتهم وأفكارهم، واستنهاضهم لقتال عدوهم وعدو دينهم وأمتهم، وهكذا ذهبت كل مساعيه عليه السلام لاستنقاذ هؤلاء أدراج الرياح، وذاك ما تضمنته خطبه عليه السلام الكثيرة، التي تصور لنا المشهد كاملاً، مبينةً مدى حزن وحرقة ولوعة أمير المؤمنين لقاء ما قابل به مجتمعه الحاضن كل محاولاته الرامية لتغيير والنهضة الشاملة، من مثل قوله: «أُفٍ لكم، لقد سئمت عتابكم، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضاً، وبالذل من العز خلفاً؟ إذا دعوتكم لجهاد عدوكم دارت أعينكم، كأنكم من الموت في غمرة، ومن الذهول في سكرة! وما أنتم إلا كإبل ظلت رعاتها، فإذا جُمِعَتْ من جانب انتشرت من جانب آخر». ثم يواصل بيان حقيقتهم، وأنه لم يعد يثق بهم فيقول: «وايم الله إني لأظن بكم أن لو حمس الوغى واستحى الموت، قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراجَ الرأس عن الجسد».
تلك كانت مأساة الإمام عليه السلام، التي ازدادت تمدداً واتساعاً بعد واقعة النهروان، فقد ظل يستنهض الناس لقتال بغاة الشام زمناً، ولكن دون جدوى، وما أشد وقاحة أولئك، وصفاقتهم، وضعف دينهم وحميتهم، عندما نراهم يتسللون من معسكر النخيلة الذي أمرهم أن يلزموه، حتى يسير بهم إلى الشام لقتال معاوية، إلى الحد الذي لم يبق معه عليه السلام سوى نفر يعدون بالأصابع! لذلك نسمعه يقول: «لله أنتم، أما دين يجمعكم، ولا حمية تشحذكم؟! أوليس عجباً أن معاوية يدعو الجفاة الطغام، فيتبعونه على غير معونة ولا عطاء! وأنا أدعوكم وأنتم تركة الإسلام وبقية الناس إلى المعونة، وطائفة من العطاء، فتفرقون عني، وتختلفون علي! إنه لا يخرج لكم من أمري رضا فترضونه، ولا سخط فتجتمعون عليه»... فهل بعد هذه المأساة مأساة؟

أترك تعليقاً

التعليقات