هنا حقيقةُ كربلائك
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
ما أقسى لحظات المكاشفة مع النفس! وما أشد وجع محاولة الاستيعاب لمفاهيم الثورة الحسينية على العقل والقلب!
فيا مدلفاً إلى ذكرى الفاجعة من بوابة الماضي: عد من حيث أتيت؛ فالحسينُ ليس ذكرى من الماضي؛ بل شاهدٌ على الإنسانية كلها؛ وحاضرٌ في الزمن كله؛ فما قيمةُ حياتك إنْ لم يكن كل يومٍ من أيام عمرك شارقاً بشمس عاشوراء، ودائراً مع الفلك الحسيني حيث دار؟! وما قيمةُ الأرض التي تقلك إنْ لم تجعلها قطعةً من كربلاء؟!
يا ابن أمي: وأنت تقف على أعتاب عاشوراء؛ فتش عما يجب فعله في ما أكسبتك إياه مسألةُ الانتماء للحسين الخط والمنهاج والقضية والموقف؛ فها أنت والحسين معاً؛ فهل ستتخذ ليل جهلك جملاً للفرار؟ أم ستختار الحضور مهما كان الثمن؟
لا تجعل نفسك غارقةً في سراديب التاريخ؛ بل احرص على انتشالها منه، وحلق بها في فضاء الراهن، وافتح لها مع المستقبل بوابات الولوج إلى مدارج الكمال، الذي لا يد يمكنها إيصالك إليه سوى يد الحسين. لكن كيف السبيل إلى الانضمام إليه، والتجند تحت لوائه؟
تلك قضيةٌ لا يعقلها إلا الحسينيون؛ الذين كلما أطل عليهم عاشوراء؛ جلسوا مع أنفسهم يتساءلون بخوفٍ شديدٍ منها: ماذا لو أننا كنا هناك معه (ع) يوم الفاجعة؟ هل كنا سنختار السير في ركابه، والانضمام إلى معسكره؟ هل كنا سوف نلبي دعوته، ونتدافع بين يديه للدفاع عنه ونصرة له مهما كانت الظروف؟
لا تستهيننّ بمثل هكذا تساؤلات؛ فالأمر جدُ خطير. ولطالما عاش كثيرون مع هذه التساؤلات سنوات طويلة؛ لأنهم يدركون أن الباطل والفساد والشر والظلم والطغيان إذا ما كانت تلك العناصر مجتمعةً دعائمَ أقام عليها الطغيان دولته ونظامه؛ فإنه لن يقدم نفسه للناس بمعناه الحقيقي؛ والاعتقاد بذلك سذاجة؛ فمتى قال الباطل للناس: أنا الباطل؟ ومتى صرح الطغاة والفراعنة والظالمون المستبدون للعامة بحقيقة برنامجهم السياسي والاجتماعي وغيرهما؟ وعليه؛ لا تتصور أن الباطل والمبطلين لهم سحنة يعرفون بها، ولديهم هوية تعريفية يمكن الاطلاع عليها.
هنا حقيقةُ كربلاء، هنا أول دروس عاشوراء. هنا يقول لك الحسين: إن معرفتي لا تتحقق إلا لأولئك القلة؛ الذين عرفوا يزيد زماني ويزيد كل زمن حتى القيامة؛ يزيدُ الذي يمزج باطله بماء الحق، ويكسو فساده في البلاد والعباد بثوب الإصلاح؛ يزيد الذي لا يمكن له القول: أنا ربان الباطل، وحادي ركب الظلم والبغي، وباني دولة الاستبداد والاستعباد. وإنما يقول كلما انكشف لبعض النابهين طبيعة مشروعه، واتجهوا لإيقاظ المجتمع: دعوا هؤلاء المبطلين؛ مثيري الفتنة؛ مزعزعي الأمن والاستقرار، الساعين لشق عصا الطاعة، وانقسام الجماعة، واحفظوا بلادكم وحافظوا على دولتكم، وحافظوا على معاشكم وذويكم.
هنا وهنا فقط ينتصر الباطل، أو بعبارة أدق: ينتصر يزيد كربلائك. وهكذا تظل مجرد عبد للفرعون.
ولعل أول مراتب الولاء ليزيد في نفسك هي: إيثارك للسلامة على حساب الحق والحقيقة.

أترك تعليقاً

التعليقات