قيامةٌ من نوعٍ آخر
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
ثمةَ أشياءٌ كثيرةٌ قادرةٌ على إخراجك من جبِّ الغفلة إلى فضاء الصحو والنباهة الرحب بما يحويه من سعةٍ وامتدادٍ. عندها فقط تشعر بأنك فعلاً ملكت نفسك، وأمسكت بالخيط الذي سيقودك إلى ضمان نجاتك في الحياة والمصير.
لكنك ما إن تقف على قمة الإدراك، يسيطر عليك شيءٌ يفوق كل ما سبق لك أن عشته من مرض وحزن. فالمرض مهما فتك بصاحبه، وهد أركانه، ودمر قواه، يمكن التعايش معه، وتقبُّل تجبُّره وفتكه ووحشيته. والحزن مهما عظم، وتنوعت مصادره، وتعددت أسبابه، فبإمكانك السير معه حتى النهاية، واعتياد مصافحته والجلوس بجانبه آلاف المرات، ولن يأتي عليك يومٌ تنكره، أو ترفض استقباله.
فما هو هذا الشيء يا ترى؟!
إنه شيءٌ يشبه الزلزال، بل يفوق كل الكوارث! فلا أشد وطأةً على المرء من أن يستيقظ فجأةً في منتصف الطريق، فيكتشف أنّه كان يركض طول عمره خلف سراب. إنها مسألةٌ أقرب بكثير إلى القيامة؛ لكنها تقتصر -بما تشتمل عليه من أهوال وفظائع وانكشاف- عليك وحدك، وتعطيك رخصة للعودة كي تصحح المسار.
يا لها من لحظةٍ مرعبة بكل المقاييس!
فلا أوجع ولا أقسى ولا أمرَّ على القلب من أن يلتفت إلى السنوات التي مضت، إلى الأحلام التي حملها على كتفيه سنين طويلة، فيكتشف أنها كانت مجرد وهم! فكل تلك المعارك الصغيرة والكبيرة التي خاضها؛ كانت من أجل أشياء ظنّها عظيمة، كانت مجرد كذبة كبرى! هنالك يرى كل ما اعتقده قضية اكتست بعينيه ثوب القداسة، وقد عادت إلى مقامها المستحق، وبدت فجأةً بحجمها الحقيقي. يا للهول! أهذه فعلاً هي القضايا والمسلّمات التي دافعتُ عنها، واحتضنتُها بكل جوارحي؟! فلماذا تبدو لي اليوم -إذاً- أصغر من دمعة، وأخفّ من غيمة، وأقصر من أن تستحقّ كلّ ذلك الركض؟!
هنا تدرك أُس الأشياء؛ تدرك شيئاً آخر؛ شيئاً يقول لك:
إنّنا لم نأتِ إلى هنا لنعيش كما كنّا نظن؛ لم نأتِ لنضيف يوماً إلى يوم، وعاماً إلى عام، ثم نغادر؛ هذه حياة الدواب والأنعام. أما نحن ففي مكانٍ ما من هذه الرحلة، كان هناك سؤال أكبر ينتظرنا؛ سؤالٌ يختبئ خلف الفقد، وخلف الخوف، وخلف الأبواب التي أُغلقت في وجوهنا، وخلف القبور التي أخذت منّا من نحب، سؤالٌ ظلّ يرافقنا منذ اللحظة الأولى، لكنّ ضجيج الدنيا كان أعلى من أن نسمعه.
وها هو يظهر أخيراً، كلّما سقط شيءٌ كنّا نظنّه ثابتاً، كلّما رحل شخصٌ كنّا نظنّ أنّ الحياة لا تستقيم من دونه، كلّما وقفنا عراةً أمام حقيقتنا.
أحياناً أشعر بأنّ العمر كلّه ليس إلّا محاولة للإجابة عليه، ولهذا يغادر بعض الناس مبكراً، يغادرون قبل أن يعثروا على شيء، قبل أن يفهموا لماذا كانوا هنا أصلاً، وقبل أن يعرفوا ماذا كان يُراد منهم. وفي المقابل يغادر آخرون وقد خسروا أشياء كثيرة؛ لكنّهم ربحوا أنفسهم. كأنّ الطريق الطويل لم يكن يقود إلى مكان، بل كان يقود إليهم؛ إلى تلك النسخة الصافية التي كانت تختبئ تحت طبقات الخوف والرغبات والضجيج. ولهذا، حين أفكّر ببعض الراحلين لا أشعر بالحزن عليهم، وإنما أشعر بشيءٍ يشبه الغبطة لهم، كأنّهم وصلوا إلى آخر الامتحان، ثم سلّموا الورقة مطمئنّين، كأنّهم عرفوا الجواب قبل أن ينطفئ الضوء بلحظات؛ فهنيئاً لهم؛ هنيئاً لمن رحل وقد عرف لماذا جاء؛ هنيئاً لمن خرج من هذه الدنيا وفي يده شيءٌ أثمن من الدنيا نفسها.
وهنيئاً لمن انتصر على نفسه، قبل أن ينتصر على أيّ شيءٍ آخر.

أترك تعليقاً

التعليقات