إيران الحضارة.. وحظائر الاستحمار
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
مهما تعالى الأعراب بوهم الانتفاخ الكاذب، فإنهم أمام إيران يبدون عراةً من كل أوراق التوت التي لطالما استعملوها لستر عوراتهم وتغطية فضائحهم. لقد ثبت بالصوت والصورة أن تلك الحظائر الاستحمارية، المسماة باطلاً «دولاً»، ما هي إلا مجرد أكوامٍ من القش وُضِعَتْ على فوهات آبار النفط، وقُدم لها كل العوامل التي بموجبها تستطيع رسم وتشكيل إطار أو بناء خلفية أو ديكور يبديها بعين المشاهد دولاً متقدمة تمتلك كل مقومات القوة والاقتدار في شتى مجالات الحياة والأحياء. فما الذي فقدوه ووجدته إيران؟
إنهم بلا روحٍ، لا فكر، ولا تاريخ، مجرد كيانات وظيفية لا تستطيع البقاء إلا كأداة صماء بيد القوى الكبرى. أما الإيراني فصاحب روحية سامية معجونة بجينات الخلود، ومطبوعة بطابع الاعتزاز بذاتها وهويتها. لن أتحدث هنا عن تاريخ فارس قبل الإسلام؛ وإنما عن إيران الإسلامية، التي بالإسلام حلقت في مدار الثريا، وبقي الأعراب في أسفل سافلين؛ مع أنهم موطنه الأول؛ لأنهم تثاقلوا إلى الأرض، فما رشح عنهم سوى الوحل في كل شيء، فكراً وعقيدةً.
لقد دخل الأعراب في دين الله خوفاً أو طمعاً، باستثناء اليمن وقبيلتين أو ثلاث تلقوه عن وعي وقناعة. أما بيئة الأعراب فلم تدخل في رحابه إلا لتهدم مبانيه وتبدل معانيه. إنها بيئة طاردة للحق، محبة للباطل تواقة إليه. أما إيران فقد أشرقت عليها روح هذا الدين؛ فوجدت نفسها مهيأة لاعتناقه، كأصل من أصول الشخصية التكوينية لها، لذلك وجدناها لا ترى الإسلام مجرد نظام سياسي أو هوية دخيلة، فتقوم باستبدال راية براية، وإنما تشربته بصدق الفطرة، ويقين المعرفة، الذي جعله ينعكس على روحية الإيرانيين كمعادلة كيميائية أعادت بناء الظاهر بما يختزنه الباطن، فتوجت حضارتها بتاج الوحي، ومنحت فكرها وثقافتها أكسير الكمال.
لقد وجد الإيراني، المسكون فيه البحث عن الحقيقة، في دين الله ما يلبي ضمأه للمعرفة، ويبلغ به مدارج الغايات العليا، فكانت ملحمة كربلاء شهنامته الخالدة القائمة على «لا» الرفض، ومعنى الوحدانية (القويم)، ملحمةٌ بطلها الحسين (ع) لا رستم الأسطورة، الأمر الذي تحول على إثره مفهوم الفروسية، الذي بدوره صاغ قيماً محكومةً بالعدل، مبنية على محاربة الظلم، مشتملة على الحرية، تواقة للشهادة... وهنا عرف حد الشجاعة، وتمت فصول الفروسية.
ومن الحسين إلى زينب، ظلت الروح الإيرانية تنهل من موارد العزة والحرية، فأخذت من زينب الثبات عند الملمات، والقوة على الوقوف بوجه الطغاة، والصبر على البلاء، والاستعداد لإكمال الطريق، وتبليغ رسالة الدم لكل خلايا جسد الأمة الميت، مما أسس لأعظم نظرية في الفكر المقاوم، وهي أن قوة الموقف في طريق الحق قادرة على كسر سيف الطغيان الذي يحمي الباطل.

أترك تعليقاً

التعليقات