عدمٌ لا عرب
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
جديرٌ بالعربي أن يندب حظه، فهو الأعجز من بين الأمم، فلا وطن ولا هوية.
فالخطابات والأدبيات والشروحات والمختصرات والمصنفات والمطولات الفكرية والثقافية للحركات والتيارات والأحزاب والتنظيمات الثورية والنهضوية كانت ولاتزال موجودة ومهيمنة على الواقع العربي برمته، ولكنها ظلت عاجزةً عن فعل شيء من أجل التغيير والنهضة، التي مر على انطلاق روادها وأفكارها وخطاباتها وأدبياتها أكثر من قرن حتى الساعة، ولاسيما تلك الحركات التي انطلقت على أساس التزام الإسلام كعقيدة وشريعة ونظام لإقامة الحياة، وتسيير أمور الناس، فقد عادت معظمها بخفي حنين، وكان منجزها الوحيد هو تركها لنا الكثير من الأطروحات والدراسات التي اتجهت إلى تحليل ونقد الواقع العربي والإسلامي، وقد اتسمت بعض تلك الأطروحات والدراسات بالوضوح والصدق والجدية في ما قدمته من حلول للمشكلات المعقدة، ومعالجات للأمراض المزمنة، ومع ذلك فهي لم تكن بمستوى الطموحات والآمال التي اختزنتها أفكار ومواجيد الشعوب والمجتمعات المتطلعة لزمن الحرية والخلاص.
نعم حصلت المجتمعات العربية والإسلامية على الاستقلال الشكلي من ربقة الاستعمار الخارجي، كما استطاعت إنشاء الدويلات القطرية الحديثة، والتي لم تكن هي الأخرى سوى صورة معبرة أصدق تعبير عن حقيقة مجتمعات عربية وإسلامية مأزومة سياسياً وثقافياً واقتصادياً و... و... دويلات فاقدة أبسط المقومات التي تمكنها من البقاء أكثر على قيد الحياة، كونها جاءت من خارج الوسط الشعبي والجماهيري، فلا عن إجماع عبرت، ولا إلى شرعية استندت، دويلات قامت بفرض نظم سياسية علمانية فجة على معظم شعوبنا ومجتمعاتنا، اتخذت من القومية تارةً، ومن الاشتراكية تارة أخرى، وثالثة من الإسلام؛ قناعاً تخفي خلفه وجهها القبيح، فكانت الاتجاهات الثلاثة هي السبب في ضرب وعي المواطن وتجميده، وعزله واستبعاده عن سوح العمل والتفكير السياسي، وليس هذا فحسب، أي لم تقتصر الكارثة على وجود مجتمعات مكونة من أفراد عاجزين، يعانون من العقم الفكري والسياسي وشؤونهما المختلفة، بل لقد ذهبت إلى ما هو أخطر من ذلك بكثير، إذ بات المواطن العربي مبعداً تماماً حتى عن المشاركة الفاعلة الحية في الحياة العامة، فعاش عديم الوزن، فاقدا أبسط مقومات وجوده الاجتماعي والسياسي والثقافي، لا يعرف معنى الأمن والاستقرار.
لقد عاشت مجتمعاتنا العربية والإسلامية مدةً طويلةً من الزمن، ولاتزال انحطاطاً فكريا، وانهياراً اقتصاديا وأمنيا، وتفككا وتمزقاً اجتماعيا، وتفسخاً سياسياً، ولعل السبب الأساس الذي يقف وراء كل هذه المآسي هو تصدر العقلية العشائرية والقبلية والطائفية للمشهد، وإمساكها بزمام ومقاليد الأمور كلها، فقد تمكنت من السيطرة على المفاصل والمواقع والمقامات القيادية العليا، وسطت على مواقع الثروة والإنتاج والعمل في مختلف الأقطار العربية، ولاتزال هذه العقلية تعمل من موقع ادعائها الوصاية على فكر وحياة وعادات وقيم مجتمعاتها على تأجيج الصراعات البينية، وبث كل ما يؤدي إلى التنازع والتقاتل والتقاطع والتباغض والعداء، وزرع بذور الفتنة في كل زاوية من زوايا الوجود الشعبي والاجتماعي، والحث على المزيد من الفوضى والاضطرابات في كل جزء ومكون للجسد الوطني أو الشعبي، كل ذلك طبعاً من خلال تبني هذه العقليات للسياسات التي أدت في نهاية المطاف إلى تنامي الشعور بالعجز والفشل في وجدان وضمير الأمة عن الوصول إلى مرحلة البناء للدولة الحديثة، وعن إمكانية الإيجاد لعلاقات إنسانية وأخلاقية وقانونية متوازنة مع كافة الشرائح والفئات التي تشكل معظم مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ومع ذلك فهي تعيش حالةً من القهر والتهميش والإقصاء، حتى بقي هؤلاء الذين يشكلون ثلاثة أرباع مجتمعاتهم خارجَ دائرة الشراكة الوطنية، الذين نكلت بهم هذه العقلية القهرية التسلطية في كل مكان.

أترك تعليقاً

التعليقات