الوباء الصامت في بيئات العمل
- فؤاد أبو راس الثلاثاء , 10 فـبـرايـر , 2026 الساعة 12:05:47 AM
- 0 تعليقات

م. فؤاد أبو راس / لا ميديا -
أي مدير يدخل مؤسسة وهو يحمل خبرة ورؤية وخطة، يظن أن المعركة الأساسية ستكون في تحسين الأداء وتطوير الإجراءات، ثم يكتشف سريعاً أن هناك معركة أسبق وأقسى: معركة «النظام غير الرسمي» الذي يعمل تحت السطح. هذا النظام لا يظهر في الهيكل التنظيمي، ولا يُذكر في محاضر الاجتماعات؛ لكنه حاضر في كل قرار تقريباً. هنا تبدأ الشللية الفاسدة: شبكات مصالح تتبادل الحماية، وتوزع النفوذ، وتعيد صياغة الواقع اليومي للمؤسسة وفق قواعدها الخاصة.
الشللية الفاسدة لا تُهزم بسهولة؛ لأنها لا تقف في وجه المدير مباشرة. تعمل بالهمس لا بالصوت العالي، وبالتأخير لا بالرفض، وبالتسريب لا بالإعلان. تُظهر للمدير موافقة في الاجتماعات، ثم تُفرغ قراراته من معناها في التنفيذ. تمنح وعوداً جميلة، ثم تخلق مبررات لا تنتهي: «الوقت غير مناسب»، «الميزانية غير جاهزة»، «الجهة الفلانية لم ترد»، «الموظفون غير متعاونين»... ومع كل دورة من هذا الاستنزاف، يجد المدير نفسه أمام حقيقة مؤلمة: القرار في الورق شيء، والقرار في الواقع شيء آخر.
علوم الإدارة العامة تفسر ذلك عبر فكرة بسيطة: المدير لا يدير المؤسسة وحده، بل يدير شبكة قوى. عندما تتضخم الشبكات غير الرسمية، يصبح جزء من المؤسسة «محصناً» ضد التغيير؛ لا لأن التغيير خطأ، بل لأن التغيير يهدد مصالح متراكمة. الشللية هنا تتحول إلى جهاز مقاومة للتطوير: يحمي امتيازات، ويمنع المساءلة، ويعيد توزيع الفرص داخل دائرة ضيقة... المدير، مهما كان قوياً، سيجد أن قدراته تعمل داخل مساحة محدودة ما لم يستعد المؤسسة من قبضة هذا المنطق.
المعضلة الأكبر أن الشللية الفاسدة تمتلك سلاحاً يربك أفضل القادة: سلاح السمعة. إذا بدأ المدير بإجراءات تنظيمية عادلة، تبدأ ماكينة «التأويل» فوراً. يصبح الحزم قسوة، والشفافية استهدافاً، وتطبيق النظام «تصيداً للأخطاء»... تُنقل الكلمات من سياقها، وتُصنع الحكايات حول كل قرار، وتُستخدم العلاقات لتلوين الصورة أمام أصحاب التأثير. المدير هنا لا يُحارب على مستوى العمل فقط، بل يُحارب على مستوى سردية العمل: كيف يُرى؟ وكيف تُفسَّر قراراته؟
ثم تأتي المرحلة التي تُسقط كثيراً من المديرين: مرحلة تفكيك فريقه. الشللية الفاسدة تعرف أن المدير ينجح عبر فريق قوي، لذلك تعمل على إضعاف الفريق بطرق ناعمة: إبعاد الأكْفَاء عن الملفات الحساسة، زرع الشك بين الزملاء، تضخيم الأخطاء الصغيرة، وخلق اصطفافات داخلية تجعل التعاون مكلفاً. وعندما تتكسر الثقة داخل الفريق، يتحول المدير إلى شخص يطارد التفاصيل بدل أن يقود التغيير. في الإدارة الحديثة، هذه هي لحظة الانهيار الصامت: المدير يصبح مدير أزمات يومية، لا قائد إصلاح.
الأخطر أن الشللية الفاسدة تستهلك وقت المؤسسة ووقت الناس، ثم تقدم نفسها كحل. تُعقّد الإجراءات ثم تعرض «تسهيلها» عبر وساطة. تُغلق الأبواب ثم تفتحها لمن داخل الدائرة. ومع الزمن ينشأ اقتناع خطير داخل المؤسسة: الأمور لا تمشي بالنظام، بل تمشي بالعلاقات. عندها يفشل المدير حتى لو كان مخلصاً ومؤهلاً؛ لأنه يدير مؤسسة تتبنى قاعدة تشغيل مخالفة لرسالته.
لهذا ترى الإدارة العامة الحديثة أن علاج المشكلة لا يبدأ بالشعارات ولا بالوعظ، بل ببناء حوكمة يومية تحاصر الشللية في أهم مصادر قوتها: الغموض، واحتكار المعلومة، وغياب المساءلة. عندما تُعلن المعايير، وتُوثق القرارات، وتُربط الترقيات والفرص بنتائج قابلة للتحقق، وتُفتح قنوات تظلُّم آمنة، وتُطبق القواعد على الجميع دون استثناءات، تتراجع قدرة الشبكات غير الرسمية على التحكم في المؤسسة. الشفافية هنا لا تلمّع الصورة، بل تفكك الاحتكار الذي يغذي الشللية.
القضية في النهاية ليست أن يوجد مدير قوي أو ضعيف. القضية أن أي مدير، مهما كانت قدراته، سيصطدم بحدود صارمة إذا كانت المؤسسة تُدار بعقلية الشلة لا بعقلية النظام. الإصلاح الحقيقي ينجح عندما يتحول النظام إلى مرجعية أعلى من العلاقات، وعندما يشعر الجميع أن العدالة ليست مزاجاً، وأن الطريق إلى التقدم لا يحتاج «ظهراً»، بل يحتاج عملاً يُرى ويُقاس ويُكافأ. بهذه المعادلة فقط تستعيد المؤسسة قدرتها على الخدمة، ويستعيد المدير أدواته الحقيقية للقيادة.










المصدر فؤاد أبو راس
زيارة جميع مقالات: فؤاد أبو راس