ما بعد زمن كشف الحقائق
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
شهد القرن العشرون ولادة الكثير من الحركات النهضوية والثورية الإسلامية، ولكن لم يبقَ منها إلى اليوم على قيد الحياة سوى القليل جداً، وذلك لأن معظمها كانت ضحية مثقفيها وعلمائها ومفكريها وأدبائها كما ألمحنا في مساحة سابقة إلى ذلك، وقلنا: إنهم باعوا حركاتهم الوهم، وجعلوها تعتقد أن ما تحقق لها من تقدم ونجاح جزئي في البداية العملية؛ عائدٌ إلى كونها تقوم على أساس وجود مشروع متكامل، يحتوي العناصر اللازمة لاستمرارية النجاح والتقدم والنصر حتى النهاية، ولم يلتفتوا إلى طبيعة المؤامرات التي تحيكها قوى الاستكبار وموظفوها من الأنظمة والسلطات والأحزاب على المستويين المحلي والإقليمي، والتي عادةً ما تكرس جهودها لتضخيم حجم ما تم إنجازه على يد تلك الحركات، حتى لا تلتفت لسلبياتها، وتراجع خطواتها، كي تعي أين نجحت؟ وأين أخفقت؟ وما هو الذي ينقصها هنا، ويعيق تقدمها هناك؟ وهكذا استمر النفخ في تلك الحركات، التي استعظمت نفسها حدَ الجنون، وظل العدو يعبئها بالوهم، حتى غدت أشبه بأكياس محشوة بالتراب، فيتمترس خلفها لمواجهة تيارات وحركات أخرى، وما صراع الإخونجية مع السلفية، وبقية التيارات والحركات متطرفها ومتصوفها إلا خير شاهد على ذلك، والذين لم يكونوا سوى أداة لإحراق مطامح الشعوب، وقتل آمال الجماهير بغد أفضل، وتأبيد سلطة الأمر الواقع، التي كانت ما تلبث أن تنتهي إلا لتعود أكثر قوة وهيمنة من ذي قبل.
وقد أشار معظم الباحثين في تاريخ تلك الحركات إلى أهم عامل أدى إلى سقوطها، وهذا العامل يصدق على تلك التي لم تقم على أساس التبعية والعمالة للمستكبر الغربي منذ البداية، وهو أنها أوكلت مهمة الإصلاح لمختلف الجوانب والأمور إلى مثقفين وعلماء ومفكرين قليلي الخبرة في المجالين السياسي والأمني، الأمر الذي تسبب بكشف ما لدى تلك الحركات من أوراق بشكل كامل، وحينما بدت سوأتها انقض عليها المستكبر انقضاض الوحش على فريسته!
ولكم تسبب اللاوعي السياسي والأمني في تأبيد فشل بعض الحركات الإسلامية، وتعزيز معاناتها حتى اليوم، لأنها بفقدانها هذين البعدين؛ فقدت القدرة على معرفة حجمها في الساحة بشكل دقيق، وباتت تجهل طبيعة التحديات التي تحركها قوى وتيارات مناوئة لها، تعمل على سحب البساط من تحتها بالتدريج، حتى تجد نفسها ذات يوم خارج حسابات الزمن والحياة والتاريخ، وتعود عصا بيد النافذين والمستغلين الذين بيدهم سلطة الواقع السياسي والمالي والديني والاجتماعي وغير ذلك.
وعليه، فلا بد من تعزيز الوعي السياسي والأمني لدى مثقفينا وعلمائنا، وذلك كي يصبح نشاطنا قائماً على امتلاك الحس الأمني، المصحوب بالفهم الدقيق لكل القضايا والملفات السياسية، وذلك كي نكون قادرين على تحريك أقدامنا وفق ما تمليه علينا المبادئ والقيم، وبما يخدم الواقع الذي يفرض علينا التحرك ضمن دائرة ما هو ممكن، والتخفف من الجموح وراء المثالية المفرطة، التي تبيع الناس وهم ما ينبغي أن يكون في سوق الإعلام، وشطحات الساسة، نعم لا بد من الوعي السياسي والأمني؛ لأننا لم نعد في مرحلة اكتشاف الحقائق وبيانها لمجتمعنا كشعب يمني، وإنما بتنا اليوم في مرحلة العمل على تداول وتعميم تلك الحقائق بما يخدمها.

أترك تعليقاً

التعليقات