حارس الفوضى والتوحش
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
يُكثر المجتمع الدولي الحديث عن «الاستقرار» و«السلام». ويستند ميثاق الأمم المتحدة على فرضية أن الحرب حالة شاذة، وليست سمة من سمات النظام. لكن السجل التاريخي للقرنين العشرين والحادي والعشرين يُشير إلى خلاف ذلك: فالواقع يؤكد أن ما نعيشه؛ ليس فوضى عارمة، بل فوضى مُدارة؛ والولايات المتحدة هي المُديرة.
هذه هي الحقيقة؛ ليست الولايات المتحدة مجرد قوة مهيمنة، بل هي النظام نفسه - مهندسه وحاميه والمستفيد منه في نهاية المطاف. هذه الهيمنة ليست نتيجة تفوق أخلاقي، بل هي مزيج فتاك من قوة عسكرية لا مثيل لها ومهارة سردية بارعة: تحويل العدوان إلى «تحرير»، والاحتلال إلى «استقرار»، والقتل الجماعي إلى «عمليات أمنية للقضاء على التهديد الوجودي».
لقد قامت الولايات المتحدة على منطق «الهيمنة» ومنطق الهيمنة هذا يتطلب وجود أعداء. فبدون أعداء، تصبح ميزانيات الدفاع الضخمة بلا مبرر. وبدون أعداء، تفقد التدخلات العسكرية شرعيتها. وبدون أعداء، تصبح التحالفات مع العملاء بلا جدوى. وهكذا، يتم خلق الأعداء أو رعايتهم أو استفزازهم.
تُثبت الوثائق التي رُفعت عنها السرية، والتحقيقات الصحفية، واعترافات المسؤولين الأمريكيين أنفسهم، أن هذا النمط ليس محض صدفة، بل هو عقيدة. فدعم المجاهدين الأفغان في ثمانينيات القرن الماضي، والفصائل المسلحة في سوريا في العقد الثاني من الألفية الثالثة، وجماعات وكيلة مختلفة في أمريكا اللاتينية وآسيا الوسطى، يُظهر آلية ثابتة: خلق تهديد أو تضخيمه، ثم الظهور بمظهر المنقذ الذي لا غنى عنه.
في غزة، لا يمكن فهم المجزرة المستمرة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023 -ذات الجذور البنيوية العميقة- دون النظر إلى «إسرائيل» كمشروع استيطاني استعماري يعتمد وجوده كلياً على الدعم الأمريكي. كل استخدام للفيتو الأمريكي في مجلس الأمن، وكل شحنة قنابل وذخائر، هي مشاركة مباشرة. إن ادعاء دعم «حل الدولتين» مع عرقلة أي محاولة لتحقيقه ليس تناقضاً، بل هو سياسة.
مع إيران، يُتبع النمط نفسه: عقوبات تهدف إلى خنق المجتمع المدني، وعمليات سرية تتطلب تنسيقًا استخباراتيًا من واشنطن، ودبلوماسية تهدف إلى إحراق المنطقة عمداً. ليس الهدف هو تحقيق الاستقرار الإقليمي، بل منع ظهور قوة إقليمية مستقلة، لأن هذا الاستقلال يهدد أسس الهيمنة.
لا يُعدّ أيٌّ من هذا خروجاً عن الديمقراطية الليبرالية، بل هو أسلوب عملها المعتاد. إنّ خطاب حقوق الإنسان والديمقراطية و»النظام الدولي القائم على القواعد» سلاحٌ انتقائي: يُستخدم بضراوة ضدّ الأعداء، ويُتجاهل تماماً ضدّ الحلفاء أو ضدّ الذات الإمبراطورية للولايات المتحدة.
لقد دُمِّر العراق بناءً على أكاذيب استخباراتية، ما أسفر عن مقتل أكثر من مليون شخص دون محاسبة. ودُمّرت ليبيا باسم «مسؤولية الحماية للشعب وتحريره»، ثم تُركت في حالة من الفوضى. وشهد اليمن أسوأ أزمة إنسانية في العالم، بينما تقوم السعودية -شريك استراتيجي للولايات المتحدة- بقصفه وحصاره وتدمير كل شيء فيه بالأسلحة الأمريكية.
هذا النمط أشبه بآلية حماية المافيا منه بنظرية العلاقات الدولية الليبرالية: أطع المهيمن، وستكون «محمياً»؛ تحدّ المهيمن، وستكون معزولاً أو غير مستقر أو مدمراً.
إن الاستقرار الذي يوفره هذا النظام هو استقرار هرمي حيث يبقي أولئك الموجودين في القمة في القمة، ويجعل ثمن المقاومة مرتفعاً للغاية.
يدرك المجتمع الدولي هذه الحقيقة. ما ينقص هو الشجاعة لتسمية النظام باسمه الحقيقي. وهكذا، تولد لغة دبلوماسية عقيمة: «قلق بالغ»، «ضبط النفس»، «حوار بنّاء» بينما تستمر القنابل في التساقط وتبقى بنية الهيمنة راسخة.
وختاماً؛ إن النظام العالمي ليس معطلاً. إنه يعمل تماماً كما هو مصمم منذ البدء. وما الولايات المتحدة إلا حارس له، حارسٌ للفوضى والتوحش.

أترك تعليقاً

التعليقات