فهد شاكر أبو راس

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
في لحظةٍ يتداعى فيها وجهُ النظام العالمي الذي ألفته البشرية لعقود، وقفت إيران، لا كدولةٍ تواجهُ دولة، بل كمشروعٍ حضاريٍّ اختبرَ كلَّ نظرياتِ القوةِ والهيمنةِ، وأثبتَ بما لا يدعُ مجالاً للشكِّ أن إرادةَ الشعوبِ حين تصهرُها العقيدةُ وتوجهُها الحكمةُ تصبحُ قوةً لا تقهر. وما جرى في ميدانِ المواجهةِ الكبرى بين الجمهوريةِ الإسلاميةِ من جهةٍ والولاياتِ المتحدةِ وحلفائِها من جهةٍ أخرى لم يكن حرباً عسكريةً تقليديةً تُحسمُ نتائجُها بموازينِ العتادِ والعدد، بل كان امتحاناً وجودياً لفكرتين عن العالم، فكرةُ الاستكبارِ التي ظنت أنَّ التاريخَ انتهى عندَ بوابةِ واشنطن، وفكرةُ المقاومةِ التي آمنت بأنَّ التاريخَ لم يُكتبْ بعد، وأنَّ يدَ اللهِ مع الجماعةِ الصابرةِ المحتسبةِ التي لا تفرطُ في سيادتِها ولا تساومُ على كرامتِها ولا تخضعُ لإملاءاتِ من لم يجرؤوا على مواجهتِها في الميدانِ رهباً.
من يتأمل في مسارِ الأحداثِ يدركْ أنَّ إيرانَ لم تنتصرْ لأنها امتلكتْ ترسانةً صاروخية، بل لأنها امتلكتْ ما هو أعمق، امتلكتْ قيادةً استراتيجيةً تقرأُ التوازناتِ بعينِ الصقرِ ولا تندفعُ نحوَ استفزازاتٍ محسوبةٍ لاستدراجِها، وامتلكتْ شعباً خبرَ ثقافةَ الصمودِ في ذاكرتِه الجمعية، وامتلكتْ حلفاءَ آمنوا بأنَّ معركتَهم واحدةٌ من القدسِ إلى صنعاءَ إلى بيروت، وهذه المنظومةُ المتكاملةُ من القيادةِ الحكيمةِ والشعبِ الصابرِ والحلفاءِ الأوفياءِ هي التي حوَّلتِ المعركةَ من مواجهةٍ غيرِ متكافئةٍ على الورقِ إلى مأزقٍ استراتيجيٍّ لقوى الاستكبار العالمي، التي اعتادتْ على الحسم السريع في كل معركة تخوضها؛ لكنها هذه المرة وجدتْ نفسَها في مستنقعٍ لا قرارَ له، كلَّما رفعتْ سقفَ أهدافِها اصطدمتْ بسقفِ الصمودِ الإيرانيِّ الذي لا ينخفض، وكلما جربتْ ورقةَ ضغطٍ جديدةٍ اكتشفتْ أنَّ خصمَها سبقَها إلى ابتكارِ أوراقِ ضغطٍ مضادةٍ أكثرَ إيلاماً وأعمقَ أثراً.
وهنا تحديداً يتجلى الفارقُ الجوهريُّ بين النموذجِ الإيرانيِّ والنموذجِ العربيِّ الرسميِّ الذي راهنَ على أنَّ الرهانَ على واشنطنَ هو رهانُ العقلاء، فإذا بالتاريخِ يثبتُ أنَّ الرهانَ على واشنطنَ هو الرهانُ الخاسرُ بامتياز، فمن يضعْ مصيرَه في يدِ غيرِه يفقِدْ أولاً سيادتَه ثم يفقِدْ احترامَه لنفسِه ثم يفقِدْ مكانتَه في معادلاتِ المنطقة.
إنَّ وهنَ الدولِ العربيةِ الذي انكشفَ في هذه المواجهةِ لم يكن وهنَ إمكاناتٍ، ولا وهنَ موارد، فالمواردُ هائلةٌ والإمكاناتُ لو أحسنَ توظيفُها لصنعتْ فارقاً؛ لكنَّه وهن الإرادة، وهن المشروع، وهن الرؤية؛ فحين تفتقدُ الدولةُ مشروعاً وجودياً تعيشُ من أجلِه تتحولُ إلى كيانٍ بيروقراطيٍّ يستهلكُ نفسَه في الحفاظِ على بقائِه القصيرِ الأمد، وحين تفتقدُ القيادةُ رؤيةً استراتيجيةً تنطلقُ من مصالحِ شعبِها قبلَ مصالحِ حلفائِها تصبحُ مجردَ ظلٍّ لغيرِها، وحين يغيبُ الإيمانُ بالقضيةِ يحضرُ التردد، وحين يحضرُ الترددُ يغيبُ التأثير، وهذا هو السرُّ الذي جعلَ دولاً عربيةً تملكُ من السلاحِ والمالِ ما لا تملكُه إيران، تقفُ عاجزةً مكبلَّةَ الأيدي تنتظرُ من واشنطنَ أن تفعلَ ما لا تستطيعُ فعلَه لنفسِها، بينما إيرانُ التي حوصرتْ وخُنقتْ اقتصادياً وقُصفتْ مصالحُها واغتيلَ علماؤُها وقادتُها، لم تنتظرْ أحداً، بل صنعتْ معجزتَها بيدِها، وحوَّلتِ العقوباتِ إلى فرصةٍ لبناءِ اقتصادٍ مقاوم، والتهديداتِ إلى وقودٍ لتطويرِ قدراتٍ ردعيةٍ غيرتْ قواعدَ اللعبةِ في الإقليمِ برمته.
والأمرُ الأعمقُ الذي تجلى للعالمِ من خلال هذه المواجهة هو أنَّ الولاياتِ المتحدةَ، التي دخلتِ المواجهةَ بثقةِ القويِّ المطلقِ، خرجتْ منها مهزومةَ الإرادةِ، منقوصةَ الهيبةِ، مكشوفةَ الحدودِ الحقيقيةِ لقوتِها. وكما تساقطتْ أوراقُ التوتِ عن عورةِ الإمبراطوريةِ اتضحَ أنَّ القوةَ العسكريةَ وحدَها عاجزةٌ عن حسمِ الصراعاتِ حين تكونُ في مواجهةِ شعوبٍ تملكُ إرادةً لا تنكسر، وأنَّ الترسانةَ النوويةَ ومقاتلاتِ الجيلِ الخامسِ وأساطيلَ المحيطاتِ لا تساوي شيئاً إذا كانَ الخصمُ لا يهابُ الموتَ ويعشقُ الحياةَ الكريمةَ أو الشهادة دونها. وهذا الاكتشافُ ليس هزيمةً تكتيكيةً عابرةً في جولةٍ من جولاتِ الصراع، بل هو هزيمةٌ استراتيجيةٌ تاريخيةٌ سيعيدُ العالمُ على وقعِها تعريفَ مفاهيمِ القوةِ والسيادة، وستُكتبُ في سجلاتِ العلاقاتِ الدوليةِ كشاهدٍ على أنَّ عصرَ الإمبراطورياتِ التي تفرضُ إرادتَها بقوةِ السلاحِ قد ولى إلى الأبد.
لقد أرادت واشنطنُ أن تجعلَ من إيرانَ عبرةً لمن يريد الخروجَ عن طوعِها، فإذا بإيرانَ تصبحُ ملهمةً لكلِّ الشعوبِ المستضعفةِ التي كانت تظنُّ أنَّ مواجهةَ أمريكا ضربٌ من الجنون، وإذا بالعالمِ يرى أنَّ الصبرَ الاستراتيجيَّ والإيمانَ بالحقِّ والتخطيطَ العميقَ قادرٌ على إرغامِ قوى الاستكبار على توقيعِ وثيقةٍ تعترفُ فيها ضمناً بأنها لم تحققْ هدفاً واحداً من أهدافِها، لم يسقطِ النظامُ الإسلامي، لم يُحسمِ البرنامجُ النووي، لم تختفِ القدراتُ الصاروخية.
وهكذا طويتْ صفحةٌ من تاريخِ الصراعِ بينَ الإرادةِ والآلة، بينَ الروحِ والمادة، بينَ من يملكُ كلَّ شيءٍ ولا يملكُ نفسَه، ومن لا يملكُ شيئاً ويملكُ كلَّ شيءٍ بإيمانِه وصبرِه وثباتِه.
إنها ليست نهايةَ التاريخِ كما ظنَّ أولئك، بل بدايةُ تاريخٍ جديدٍ عنوانُه العريضُ أنَّ إرادةَ الشعوبِ الحرةِ هي القوةُ العظمى الوحيدةُ التي لا تُهزم، وما خفقتْ رايةُ الاستسلامِ على أرضِ إيرانَ يوماً، ولن تخفقَ، لأنها الأرضُ التي علَّمتِ العالمَ أنَّ الدمَ يغلبُ السيفَ حين يكونُ صاحبُ الدمِ على حق.

أترك تعليقاً

التعليقات