إيران تنتصر في معركة الصبر
- فهد شاكر أبو راس الأحد , 26 يـولـيـو , 2026 الساعة 12:42:17 AM
- 0 تعليقات

فهد شاكر أبو راس / لا ميديا -
دائماً ما كان خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أشبه بمرآة تعكس ما يدور في أعماق العقل السياسي الأمريكي من تناقضات. لكن تصريحاته الأخيرة بشأن إيران تتجاوز كونها مجرد تناقض، لتصبح، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، شهادة وفاة رسمية لاستراتيجية "الضغط الأقصى" التي تبناها وفاخر بها لسنوات.
حين نستمع إليه وهو يتحدث عن أن إدارته "تبلي حسناً" في التعامل مع إيران، ثم نراه في اللحظة ذاتها يقر بأن طهران "أضعف مما كانت عليه قبل أربعة أشهر"، فإننا لا نكون أمام تقييم موضوعي للواقع، بل أمام اعتراف مبطّن بفشل استراتيجي مدوٍّ.
فالرجل الذي راهن على أن سياسة الخنق الاقتصادي والعقوبات القاسية ستجلب إيران إلى طاولة المفاوضات راكعة، يقف اليوم ليخبرنا بأن كل تلك السنوات من التصعيد لم تُفضِ إلا إلى الاعتراف بأن إيران لا تزال قادرة على الصمود، بل إنها أقوى على نحو يجعلها ترفض الاستسلام لإملاءاته.
وفي قلب هذه التصريحات يكمن اعتراف أكثر دماراً لهيبة الخطاب الأمريكي، حين يقول ترامب إن "الإيرانيين يرغبون في القيام بشيء ما دبلوماسياً لكنني٤ أقول إنهم ليسوا مستعدين بعد". قد يبدو هذا التصريح وكأنه اتهام لإيران بالمماطلة؛ لكن تفكيك العبارة بعمق يكشف عن شيء آخر تماماً.
إن توصيفه للإيرانيين بأنهم "يرغبون" في الدبلوماسية هو اعتراف ضمني بأن طهران هي الطرف العقلاني الذي يبقي قنوات الحل مفتوحة، في مقابل طرف أمريكي يهدد ويتوعد. أما قوله إنهم "ليسوا مستعدين بعد"، فليس دليلًا على ضعفهم، بل هو دليل على صلابة موقفهم وشروطهم التي لم تعد واشنطن قادرة على فرض التنازل عنها.
وهنا يتحول التصريح من كونه هجوماً إلى كونه شهادة بأن إيران قد عصفت بكل حساباته، وأفشلت رهانه على انهيارها الداخلي، وأثبتت أن الصبر الاستراتيجي قادر على ابتلاع سياسة الضغط الأقصى وتحويلها إلى مجرد ذكرى مريرة في التاريخ السياسي.
ثم تأتي الجملة الأكثر كشفاً وانكشافاً في خطاب ترامب، حين يعلنها صريحة مدوية: "إذا لم تتحرك الولايات المتحدة ضد إيران فلن يتحرك ضدها أحد". هذا الاعتراف بأنه "وحيد" ليس تعبيراً عن قوة أمريكية متفردة، بل هو انكشاف كامل لمدى العزلة التي تعيشها واشنطن في موقفها المتصلب تجاه طهران. إنه يخبرنا ضمناً أن العالم، بكل تكتلاته وحتى بعض حلفاء أمريكا التقليديين في المنطقة، إما يقف مع إيران في خندق الصمود، وإما يقف على الحياد الرافض للمغامرات العسكرية والتصعيدية.
عندما يقول إن أحداً لن يتحرك لو لم تتحرك أمريكا، فهو لا يستعرض عضلات القوة، بل يكشف عن هشاشة التحالف الذي يحاول بنيانه. إنه يقر، من حيث لا يدري، بأن "الشرعية الدولية" التي كانت تساند الضغوط قد تآكلت، وأن إيران نجحت في إدارة معركة الوعي العالمي لصالحها، حتى باتت الدول تتعامل معها كدولة قوية، ذات مصالح مشروعة، في مقابل قوة عظمى متقلبة المزاج يترأسها رجل يعترف بلسانه بأن لا أحد يقف معه حقاً.
وهكذا، فإن هذه التصريحات الأربعة حين تُنسج معاً في سردية واحدة، فإنها لا ترسم صورة إيران الضعيفة التي يريد ترامب إيهامنا بها، بل على العكس تماماً، ترسم ملامح انتصار استراتيجي إيراني هادئ وثابت.
إن ترامب، الذي دخل الحلبة صاخباً بسياسة "الضغط الأقصى"، يخرج منها اليوم وقد تحول خطابه إلى مزيج من التهديد والعزلة والاعترافات المُرة. إنه يقف أمام إيران التي يراها كل يوم أقوى وأكثر حضوراً في معادلات المنطقة، وأقرب إلى انتصار الصبر على الغطرسة.
إن تصريحات ترامب الأخيرة في حقيقتها ليست إعلاناً عن مرحلة جديدة من المواجهة، بل هي الصفحة الأخيرة في كتاب استراتيجية أثبتت فشلها، كتبها بيديه، وأملاها عليه صمود طهران، التي لم تزدها سنوات الحصار إلا إيماناً بعدالة قضيتها، وأنها قادرة على أن تقلب الطاولة على من راهن على سقوطها.










المصدر فهد شاكر أبو راس
زيارة جميع مقالات: فهد شاكر أبو راس