سلطة النقد.. أم نقد السلطة؟!..إشكالية الجمود فـي المشاريع الثورية
- فهد شاكر أبو راس الأحد , 6 سـبـتـمـبـر , 2026 الساعة 12:28:41 AM
- 0 تعليقات

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
لا شيء أكثر خطورة على المشاريع الثورية من أن تتحول إلى مرآة تعكس ما كانت تقاتله، فنجد أن من كانوا بالأمس في صفوف المطالبين بالحرية، أصبحوا اليوم أكثر إتقاناً لآليات القمع ممن كانوا يحاربونهم.
إن من نافل القول هو أن السلطة في أغلب حالتها أداة فاسدة بطبيعتها، وتميل إلى إفساد من يمسكون بها، وليس بالضرورة أن يكون من يتربع على رأس هرمها سيئين ليفسدوا خاصة حين يفتقدون آليات المراجعة والمساءلة والتي تذكرهم باستمرار أن الثورة ليست ملكية خاصة لفئة معينة، وأن الشعب ليس مجرد جمهور يصفق، بل هو كتلة نابضة بالحياة لا يمكن شراؤها بالشعارات ولا إسكاتها بالترهيب.
وهنا تبرز الحقيقة الأكثر وضوحاً: إن الثورات لا تسقط عادة بضربات خارجية، ولا تنهار بسبب مؤامرات الأعداء، بل تسقط بفساد أبنائها من الداخل وانحرافهم عن مسارها القويم، ويتحول المسؤول باسمها إلى مستهلك لها، وهؤلاء هم أخطر أنواع الأعداء، لأنهم لا يأتون بوجوه مكشوفة، بل يتسللون كالسرطان في جسد الثورة، يرتدون ثياب المخلصين، ويتحدثون بلغة الوطنية، ويشعلون الشعارات في كل مناسبة، بينما في الخفاء يحيكون شبكاتهم، ويبنون إمبراطورياتهم على أنقاض الثورة، ويحولون مؤسسات الدولة إلى غنائم يقتسمونها، وهذه هي اللعبة القذرة التي يجب أن تنكشف قبل أن تتآكل الثورة من داخلها، ومن يغض الطرف عنهم اليوم، سيجد نفسه غداً أسيراً في شباكهم، والشعب الذي نزل إلى الميادين، ودفع أغلى ما يملك، لن يغفر لأحد تسبب في تحويل ثورته إلى كابوس جديد.
والمشكلة هنا لا تكمن في النوايا، فالنوايا الحسنة لا تكفي لبناء دولة، ولا لضمان استمرار مشروع قرآني ثوري طموح، بل تكمن في غياب أدوات الرقابة الذاتية، وتحول المؤسسات إلى كنتونات منعزلة لا يصلها صوت الشعب إلا مشوهاً، وفي تراكم الامتيازات التي تخلق تدريجياً طبقة جديدة لا ترى خارج مصالحها، وهذه ليست نظرية مؤامرة، بل هي سنة اجتماعية معروفة، تتكرر في كل مرة ننسى فيها أن الثورة ليست حدثاً منجزاً، بل عملية مستمرة من البناء وإعادة البناء.
إن أي توقف عن المراجعة يعني بداية الانحدار، وهنا نصل إلى جوهر الخطر: أن يتحول المشروع من حالة حراك دائم إلى حالة جمود.. ومن قدرة على استيعاب النقد إلى مناعة ضده.. ومن انفتاح على الشعب إلى انغلاق على نخبة صغيرة تظن الثورة مكسبا شخصيا، وهذا الانغلاق هو ما يخلق تلك الفجوة الواسعة بين الخطاب والممارسة.. بين ما يُقال في المنابر وما يُفعل في المكاتب.. بين وعود الأمس وإخفاقات اليوم، وهذه الفجوة هي أرض خصبة لنمو الإحباط، والإحباط هو السم الذي يقتل أي مشروع مهما كان نبيلاً، فالشعب عندما يشعر أن الكلمة أصبحت رخيصة، والوعود أصبحت وسيلة للاستهلاك الإعلامي، والنقد أصبح خيانة، يفقد الأمل، ومن يفقد الأمل يبدأ في البحث عن بدائل، وهذه البدائل قد لا تكون أفضل، لكنها في نظر اليائس تبدو أقل سوءاً، وهنا تكمن الكارثة التي يجب أن نتفادى وقوعها بأي ثمن.
اليوم، ونحن ننظر إلى المشهد من مسافة أكثر هدوءاً، نرى أن التحدي الأكبر ليس في مواجهة الأعداء الخارجيين، بل في استعادة روح النقد التي كانت حاضرة في بدايات الطريق، في أن نعترف بأن بعض من تبوأوا مواقع المسؤولية قد فقدوا الاتصال بالشارع، وتحولت مكاتبهم إلى جدران تفصلهم عن الناس، وهذه هي البداية الحقيقية للخطر، لأن المشروع الذي لا يتجدد بانتقادات أبنائه، يصبح عرضة للجمود، والجمود في السياسة يشبه الموت سريرياً، لا تموت فيه الأجساد لكن تموت الأفكار، وهذا أسوأ أنواع الموت، لأن الأفكار هي التي تمنح المشروع شرعيته، وهي التي تجعل الناس تستمر في دعمه حتى في أصعب الظروف، فعندما تموت الأفكار يبقى الإطار فارغاً، وعندها يصبح أي مشروع مجرد هيكل بلا روح، لا يستطيع الصمود أمام أول عاصفة، لأنه فقد مرونته وقدرته على التكيف، وهذه هي اللحظة التي يتربص فيها الأعداء.
هناك حقيقة لا مفر من الاعتراف بها، حقيقة أن أي مشروع تغيري وثوري، مهما كان نبيلاً، يمر بمراحل يشيخ فيها، ويحتاج إلى حقنه بجرعات من النقد الداخلي لتعود إليه الحيوية، وهذه الحقن لن تأتي من المعارضين للمشروع، بل تأتي من أبناء المشروع الذين لا يزالون يؤمنون به، ويرفضون أن يكونوا مجرد أدوات للتصفيق، ممن لا يريدون تدمير المشروع، ويسعون جاهدين في إنقاذه من أخطائه، ومن جموده، ومن انغلاقه، وهذه الرسالة هي الأكثر صدقاً، والأكثر خطراً على من اعتادوا على كراسي السلطة دون نافذة تطل على الشارع، وهي أكثر إيلاماً، وأكثر فاعلية، لأنها لا تهاجم من الخارج، بل تنقد من الداخل، وهذا النقد هو الذي يصنع الفارق بين المشاريع التي تموت وتلك التي تستمر، فالمشاريع التي تستمر هي التي تعرف كيف تستوعب النقد وتجعله وقوداً للتطوير، أما التي تموت هي التي تخاف من النقد وتعتبره خيانة، وتظن أن حمايتها تكمن في عزل نفسها عن أي صوت ناقد، وهذا الوهم هو الذي يقودها إلى الهاوية، لأن العزل في حقيقته لا يحمي، بل يضعف.. لا يمنح القوة، بل يستنزف.. ولا يصنع أمة، بل يصنع نخبة منعزلة تظن أنها تمثل الأمة وهي تمثل نفسها فقط.
وفي خضم هذا كله، يبقى الشعب هو الرقيب الأول، وهو من سيميز في الأخير بين المخلصين والمتسلقين، وسيمنح الشرعية لمن يستحقها، ويسحبها ممن خانها، والقيادة التي تريد أن تكتب اسمها في التاريخ بأحرف من نور، عليها أن تكون أكثر قرباً من الشعب، وأكثر استماعاً لصوته، وأكثر جرأة في قطع الطريق على كل من يحاول أن يختطف ثورته، فالثورة ليست ملكاً لفئة، ولا غنيمة حربية لها، الثورة هي قضية أمة، وأي محاولة لتحويلها إلى مشروع استئثاري خيانة عظمى، وسيحاسب عليها التاريخ قبل أن يحاسب عليها الشعب.
الثورة ليست رحلة تنتهي بسقوط طاغية، بل هي رحلة مستمرة من اليقظة والنضال ضد كل محاولة لإعادة إنتاج الطغيان تحت أي مسمى، وهي رحلة تتطلب منا جميعاً أن نكون أكثر وعياً، وأكثر جرأة، وأكثر استعداداً لمواجهة الذات قبل مواجهة الآخرين، فالهزيمة الحقيقية ليست في أن نخسر معركة، بل في أن نخسر أنفسنا، ونتحول إلى ما كنا نقاتله ونثور ضده، وهذا هو الخطر الأكبر الذي يجب أن نضعه نصب أعيننا كل يوم، لأن الخطر ليس في الآخرين فقط، بل وفينا أيضاً.










المصدر فهد شاكر أبو راس
زيارة جميع مقالات: فهد شاكر أبو راس