فهد شاكر أبو راس

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
المشهد الذي يتشكل اليوم على امتداد الجبهات اليمنية، من أرتال المخا المشتعلة إلى معاقل حضرموت المترنحة وصولاً إلى جبهات مأرب التي تئن تحت وطأة الانهيار، ليس سوى فصول متصلة من كتاب واحد يكتبه الجيش اليمني بقبضته الحديدية، حيث تتساقط إمدادات المرتزقة كل يوم كأوراق الخريف في مهب رياح التحرير، وما تلك الضربات الموجعة التي تطال المخازن وخطوط الإمداد في المخا إلا نموذج حي لاستراتيجية تقوم على فكرة أن المعركة لا تحسم فقط بمن يمتلك السلاح، بل بمن يمتلك القدرة على قطع شرايين الحياة عن خصمه حتى يذبل قبل أن يسقط، وهنا يتجلى الفارق الجوهري بين جيش وطني يمتلك البصيرة الاستخباراتية والقرار الميداني المستقل، وبين كتائب من المرتزقة الذين تحولوا إلى مجرد أوعية فارغة تملؤها الشحنات البائسة التي تصلهم بين الفينة والأخرى، في محاولات يائسة من دول العدوان لإطالة تاريخ صلاحية أدواتهم المستهلكة.
لكن الواقع يقول إن هذه الإمدادات التي تلتهمها النيران اليمنية في المخاء وقبلها في مأرب وحضرموت، لم تكن يوماً استثماراً في قدرات هؤلاء المرتزقة، بل كانت مجرد مسكنات مؤقتة لإخفاء فشل ذريع في التعامل مع معادلة يمنية جديدة لا تعترف بوصاية خارجية ولا تبيع أرضها بثمن بخس، فالرياض وأبوظبي، اللتان راهنتا على مشاريع فاشلة في اليمن، أدركتا أن وقود هذه الحرب لم يعد ذا جدوى اقتصادية ولا سياسية، وأن الاستمرار في ضخ الأسلحة إلى أياد غادرة لن يغير من حقيقة أن عقارب الساعة تتجه نحو الصفر الذي سيسقط فيه كل من تعلق بحبال الهيمنة الخاسرة.
ولهذا باتت الإمدادات الأخيرة تأتي من باب التغطية الإعلامية لا من باب القناعة العسكرية، وكأنهم يريدون أن يقولوا للعالم: «نحن لم نترك حلفاءنا»، بينما الواقع الميداني يفضح هذه الادعاءات، فالجيش اليمني اليوم يرصد كل حركة وكل مخزن وكل شحنة وكل زورق يتجه نحو سواحل اليمن المحتلة، ويضربها بدقة بالغة تجعل من أي محاولة إمداد مجرد إهدار للوقت والمال، أما المرتزقة أنفسهم، الذين ظنوا أنهم سيكونون سادة الأرض بعد أن خانوا كل القيم التي تجمع اليمنيين، فهم الآن يعيشون لحظاتهم الأكثر قسوة، إذ يجدون أنفسهم بين مطرقة الجيش اليمني الذي لا يكل ولا يمل في ملاحقتهم، وسندان التخلي الذي يمارسه بحقهم من كانوا يظنونهم حلفاء، فلم يعد أحد يمد لهم يد العون الحقيقي، ولا أحد يرسل لهم طائرات تغطيهم، ولا أحد يستعد للتضحية بجيوشه من أجل بقائهم في جحيم القتال، بل كل ما تبقى هو بعض الدعم اللوجستي المبتور الذي يصل بصعوبة ثم يتحول إلى رماد في ثوان، وهذا الانكشاف الكبير في خطوط الدعم هو ما يجعل مسألة اجتثاثهم مجرد مسألة وقت لا أكثر، لكن السؤال الأكثر إلحاحاً ليس متى ستسقط آخر معاقلهم، بل كيف سيتعاملون مع الحقيقة التي بدأت تطل برأسها من كل نافذة حرب: أن القرار النهائي بات بيد الجيش اليمني وحده، وأن نافذة الفرصة التي كانت مفتوحة أمامهم للانسحاب أو التسوية تضيق كل يوم.
إن استهداف مخازن الإمدادات العسكرية اليوم في المخا هو جزء من سلسلة متصلة من العمليات التي تستهدف تطهير الساحل الغربي من كل وجود غاز، وما حدث في حضرموت من ضربات نوعية على الإمدادات لم يكن مجرد عملية عسكرية معزولة، بل كان رسالة بأن الجيش اليمني قادر على الوصول إلى أي نقطة في الخريطة اليمنية، وأن معاقل المرتزقة في مأرب التي ظنوا أنها حصن منيع لم تعد سوى أطلال تنتظر اللحظة المناسبة لتتحرر كغيرها، وهنا تبرز الحكمة الميدانية التي تقول إن تحرير الأرض لا يتم فقط بقوة السلاح، بل بإعادة تشكيل الوعي بأن زمن الاحتلال والتبعية قد ولى، وأن اليمنيين اليوم أكثر تلاحماً حول مشروع وطني يستند إلى السيادة الكاملة على كل شبر من أراضيهم، وهذا المشروع لا يقبل أي شراكة مع من تلوثت أيديهم بدماء اليمنيين، ولا مع من راهنوا على تفكيك النسيج الاجتماعي لصالح أجندات خارجية.
إن المعركة التي يخوضها الجيش اليمني اليوم هي معركة وجودية بالمعنى الكامل، وهي ليست ضد مرتزقة محليين فقط، بل ضد مشروع استعماري جديد يهدف إلى تقسيم اليمن ونهب ثرواته، وهذا المشروع قد فشل فشلاً ذريعاً في كل جبهات المواجهة، وما تبقى من آثاره هو مجرد جيوب للارتزاق تتآكل يوماً بعد يوم، والنيران التي تشتعل في مستودعات أسلحتهم في المناطق المحتلة تؤكد أن الفشل قد طال كل شيء، حتى الأسلحة التي كانوا يعولون عليها لبقائهم.
وفي النهاية، فإن مسألة تحرير كامل الأراضي اليمنية المحتلة لم تعد مجرد شعار سياسي، بل أصبحت خطة ميدانية تنفذ بخطى ثابتة، فالجيش اليمني اليوم لا يكتفي بالدفاع، بل ينتقل بثقة إلى مرحلة الهجوم الاستراتيجي الذي يستهدف قطع أوصال العدو قبل أن يشعر بالخطر، وكل يوم يمضي يكون أقرب إلى تحقيق النصر الكامل الذي سيعيد اليمن موحداً من الحديدة إلى المهرة، ومن صعدة إلى عدن، دون أن يبقى لأي غاز أو عميل مكان يلوذ به.
إن ما يحدث اليوم من استهداف القوة الصاروخية والطيران المسير في الجيش اليمني لتحشيدات الغزاة في المناطق اليمنية المحتلة ومستودعات الأسلحة وخطوط الإمداد لمرتزقتهم المحليين ومعسكراتهم ليس مجرد استهداف عابرة، بل هو كتابة للفصل الأخير من قصة احتلال طال أمدها، وباتت نهايتها أقرب مما يتصور المراهنون على الحماية الخارجية.
فالنصر القادم أكبر من أن توقفه شحنات متعثرة أو غارات جوية خاسرة، وسيكون نتاجاً لإرادة شعب كامل قرر أن يستعيد مجده بيديه، وأن يكتب بنفسه تاريخاً جديداً لا مكان فيه للخيانة ولا للتبعية.

أترك تعليقاً

التعليقات