الفتاوى المسيسة لا تحفل بدماء غزة
- سيف النوفلي السبت , 3 أكـتـوبـر , 2026 الساعة 12:07:15 AM
- 0 تعليقات

سيف النوفلي / لا ميديا -
شهد الخطاب الديني الرسمي الصادر عن بعض المؤسسات الدينية الرسمية تحولات وتناقضات جلية أثارت استياء واسعاً لدى الشارع الإسلامي، ولاسيما عند مقارنة المواقف الصادرة بشأن الصراعات الإقليمية السياسية والمواقف الإفتائية تجاه المجازر المروّعة وحرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في غزة.
* أولاً: توظيف النصوص الدينية في الصراعات السياسية:
في أيلول/ سبتمبر 2026، أصدر مفتي عام السعودية، الشيخ الدكتور صالح الفوزان، بياناً رسمياً موحّداً أطّره بنصوص قرآنية وأحاديث نبوية تحث على الرباط والجهاد في سبيل الله، داعياً فيه قوات التحالف والقوات المرابطة على الحدود إلى الثبات والتضحية في مواجهة جماعة الحوثي، واصفاً مواجهتها وتثبيت السلطة الشرعية في اليمن بأنه «من أوجب الواجبات».
يُظهر هذا البيان استدعاءً مكثفاً ومباشراً للمفاهيم الشرعية العالية، مثل: «الرباط»، «الجهاد»، «الدفاع عن المقدسات»، «بذل النفس»... في محطة صراع إقليمي وسياسي؛ إذ تُنشط الفتوى وتُسخّر الآيات والأحاديث لحشد الطاقات العسكرية ورفع معنويات المقاتلين تحت غطاء الدين.
* ثانياً: الصمت المريب تجاه إبادة غزة والعدوان على الأقصى:
في المقابل، ورغم تعرض قطاع غزة لإبادة جماعية ومجازر أدت إلى استشهاد عشرات الآلاف من الأطفال والنساء، والدمار الشامل للمساجد والمستشفيات، فضلاً عن الاقتحامات المتكررة والتدنيس اليومي للمسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين من قبل قوات الاحتلال الصهيوني، يغيب الخطاب التجييشي نفسه تماماً. يتجلى هذا التناقض في عدة نقاط جوهرية:
1. انتقائية مفهوم نصرة المسلم: بينما تُصدر المؤسسات الرسمية فتاوى حازمة تدعو إلى الجهاد والدفاع عن الحدود ضد خصوم سياسيين محليين أو إقليميين، تخبو هذه اللغة تماماً حين يتعلق الأمر بمواجهة الاحتلال «الإسرائيلي»، بل يُكتفى في أفضل الأحوال بدعوات عامة ومقتضبة للصبر، أو تجنّب الدعوة إلى الجهاد، بذريعة «عدم تكافؤ القوى» أو «وجوب طاعة ولي الأمر في إعلان الحرب».
2. شيطنة المقاومة وتحميل الضحية المسؤولية: لم يقتصر التناقض على الصمت، بل ذهب بعض الشيوخ والدعاة المحسوبين على التوجهات الرسمية إلى إشهار أدبيات الفتنة واللوم على أهالي غزة والمقاومة الفلسطينية، متهمين إياهم بالتهلكة ومغامرات غير محسوبة، متجاهلين أن الدفاع عن الأرض والعرض حق مشروع كفلته الشرائع السماوية والمواثيق الدولية.
3. تناقض قيمة الدم المسلم: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ»؛ غير أن هذا المبدأ يُفعل بقوة ويُبنى عليه تحريض عسكري عندما يتعلق الأمر بالنزاعات المسلحة البينية بين البلدان العربية والإسلامية، في حين يُغيب ويهون استرخاص الدماء الفلسطينية عند مواجهة العدو الصهيوني.
* ثالثاً: خطورة سلب المؤسسة الدينية استقلاليتها:
إن إسقاط الأحكام الشرعية والنصوص القاطعة وفق التوجيهات السياسية اليومية يُفقد المؤسسات الإفتائية مصداقيتها أمام شعوب الأمة. فعندما تُستدعى آيات الجهاد والرباط بحماس في جبهة معينة، وتختفي تماماً أمام أفظع حرب إبادة يتعرض لها المسلمون في العصر الحديث، تصبح الفتوى في نظر الجماهير مجرد أداة توجيه معنوي وسياسي، وليست بياناً لحكم الله المجرد.
إن المطلوب من علماء الأمة ومؤسساتها الدينية هو الالتزام بالحياد والعدل ومقتضى الكتاب والسنة؛ بحيث تكون دماء المسلمين ومقدساتهم في كل مكان من اليمن إلى فلسطين مقدسة بالقدر ذاته، وأن تصدر الفتاوى انطلاقاً من نصاعة الحق لا من التوازنات والتحالفات السياسية.










المصدر سيف النوفلي
زيارة جميع مقالات: سيف النوفلي