الجبهة الداخلية في عصر التضليل: معركــة الوعــي قبــل الجغــرافيـــا
- فهد شاكر أبو راس الثلاثاء , 11 أغـسـطـس , 2026 الساعة 1:23:28 AM
- 0 تعليقات

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
في خضم معارك العصر التي لم تعد تقتصر على حدود الجغرافيا أو خرائط التضاريس، تحولت ساحات الوغى إلى فضاءات رقمية مفتوحة، حيث تصبح الكلمة فيها أكثر إيلاماً من الرصاصة، وتصبح الرواية فيها سلاحاً أكثر فتكاً من القذائف.
الحرب اليوم ليست مجرد دوي انفجارات يرتد لها الصدى، بل هي معركة وجودية خفية تخاض في أعماق الوعي الجمعي، إنها الحرب النفسية التي لا تلتقطها الرادارات ولا ترصدها الأقمار الصناعية، بل تبث عبر خيوط عنكبوتية من المعلومات المضللة والأخبار المنتقاة بعناية، لنسف الثقة من الداخل قبل أن تهتز الجبهات في الخارج، وهنا يكمن الخطر الأعظم الذي قد لا نلتفت إليه بينما نتصفح حساباتنا أو نتبادل خبراً عابراً، إذ يسعى العدو بكل ما أوتي من أدوات تكنولوجية واستخباراتية ونفسية إلى زرع بذور روايته في تربتنا الخصبة، ليس لأنها صحيحة، بل لأن تكرارها وإعادة صياغتها بروايته هو يخلق واقعاً موازياً يدفعنا لا شعورياً إلى التماهي مع وجهات نظره، وهو ما يسمى بفخ "تبني الرواية" الذي يتحول فيه المتلقي من مجرد ضحية للتضليل إلى ناقل فاعل وأداة مساعدة في نشر الريبة والشك.
هذا التحول الخطير لا يأتي دائماً على هيئة تصريحات معلنة أو خطابات كراهية مباشرة، بل غالباً ما يتسلل إلينا عبر عبارات براقة تشكك في الإنجازات المحققة، أو تبالغ في حجم الهفوات الصغيرة، أو تطرح تساؤلات بريئة المظهر عن جدوى التضحيات، لتجد نفسك وقد وقعت في فخ كسر الإرادة الجماعية دون أن تدري، فالجبهة الداخلية حين تبدأ بالاهتزاز فكرياً ونفسياً تكون قد منحت العدو غنيمة لا تضاهيها غنيمة، لأن تماسك المجتمع وصلابته هما الدرع الحقيقي الذي يتكسر عليه كل مشروع عدواني.
وإدراكاً لهذه الحقيقة، يجب أن نعي أن تقديم أي إنجاز للعدو لا يعني بالضرورة تسليمه سلاحاً مادياً، بل قد يعني ببساطة تبنينا لصياغته اللغوية المشككة أو تعاطفنا مع طرحه الهدام، فالمعركة اليوم هي معركة السرديات، ومن يربح في رسم الخريطة الذهنية للحدث يكون قد حسم نصف المعركة، لذا علينا أن نعيد النظر بعمق في كل نص نمرره وكل خبر نصدقه وكل رواية نعيد تدويرها، فالمعلومة التي نطلقها في العالم الرقمي أشبه بقنبلة موقوتة، قد تنفجر في وجه مجتمعنا بعد ساعات أو أيام، خاصة حين يستخلص منها العدو مؤشرات عن حالة الوحدة الوطنية أو مستويات الأخطاء أو حتى توقيتات معينة تخص الحركة اليومية والاستعدادات اللوجستية، فالمعلومات المباشرة المحظورة قد تكون واضحة المعالم، لكن الخطر الأكبر يكمن في المعلومات غير المباشرة التي نرصدها دون قصد، كتغيير نبرة الحديث بين الناس، أو انتشار حالة من الترقب والقلق، أو التلميح إلى أماكن تمركز القوات أو ما شابه.
كل هذه التفاصيل الدقيقة تشكل دفعة معرفية يستطيع العدو من خلال جمعها وتحليلها تكوين صورة واضحة عن نقاط القوة والضعف، تماماً كاللغز الذي تتجمع قطعه الصغيرة لتكشف في النهاية عن مشهد كامل، ومن هنا تنبع أهمية اليقظة الذهنية التي تجعلنا نتعامل مع كل منشور وكل تغريدة وكأنها قد تطير لتستقر في مركز قيادة العدو، فالصمت أحياناً يكون أبلغ من الكلام، والتريث في المشاركة قد ينقذ الموقف، لا سيما أن الحرب النفسية لا تستهدف فقط عقول النخبة أو صناع القرار، بل تستهدف بالأساس المواطن البسيط الذي يشكل النسيج الأكبر للجبهة الداخلية، لأن إرباكه وإفقاده ثقته بمحيطه وقادته يؤدي إلى شلل اجتماعي قد يعادل الهزيمة العسكرية، وكثيراً ما نرى أن العدو يلجأ إلى استراتيجية "تضخيم الجزئي" و"إلغاء الكلي"، حيث يأخذ عيباً صغيراً لينفخه إلى حجم كارثة، متناسياً كل الإنجازات الضخمة.
وبينما نحن منهمكون في الرد على تلك التفاهات وتبرير أنفسنا، نضيع وقتنا وجهدنا في حلبة صراع اصطناعية أعدت خصيصاً لاستنزاف طاقتنا، وهذا هو جوهر العملية النفسية، أن نستنزف في معارك جانبية بينما العدو يراقب ويجمع، ويحلل ردود أفعالنا ليستخلص منها مؤشرات جديدة، لذلك فإن أعظم ما نستطيع تقديمه لوطننا في هذه اللحظات الدقيقة هو أن نكون جداراً صامداً من الوعي، لا يخترقه الشك ولا يتصدع بالإشاعة، وأن ندرك أن التلاحم الداخلي هو الرسالة الأوضح التي تحبط كل المشاريع العدوانية، وأن الثقة بالله ثم بالقيادة الثورية والسياسية وببعضنا البعض هي القنبلة التي تفجر كل مخططات التضليل.
لذا فبقدر ما نتمسك بوحدتنا بقدر ما نجبر العدو على الاعتراف بأنه فشل في تحقيق الهدف الرئيس من حربه، فالحرب النفسية لا تنتهي بانتصار مدوٍ على الأرض، بل تنتهي حين ندرك جميعاً أن أقوى رد على الرواية المغرضة هو التزامنا بالرواية الوطنية القائمة على الحقائق والإنجازات الملموسة، ورفضنا القاطع لأن نكون مجرد صدى لأصوات الغير.










المصدر فهد شاكر أبو راس
زيارة جميع مقالات: فهد شاكر أبو راس