فهد شاكر أبو راس

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
تواجه الساحة اللبنانية مرحلة بالغة الخطورة والتشابك، إذ يتحرك العدو الصهيوني ضمن مخطط استراتيجي واضح المعالم يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، تتجاوز مجرد الرد على عمليات المقاومة أو تبادل الرسائل العابرة للحدود.
فالتصعيد الأخير الذي طال بلدات جنوبية مأهولة بالسكان واستهدف المباني السكنية والسيارات المدنية بشكل متعمد، وأسفر عنه استشهاد وإصابة العشرات بينهم صحفيون، لم يكن حدثاً عابراً، بل هو تحول نوعي في سياسة العدوان.
هذا التحول يمثل انتقالاً صريحاً إلى استخدام القوة المفرطة داخل النسيج المدني، بهدف إحداث صدمة نفسية واجتماعية عميقة، وإرهاق المجتمع الذي يشكل الحاضنة الشعبية الأساسية للمقاومة، وهي محاولة يائسة لكسر الإرادة وخلق واقع من الخوف والاستنزاف.
هذا العدوان العسكري المباشر لا ينفصل عن حملة الضغط السياسي الداخلية المكثفة التي تركز على ملف ما يسمى «المرحلة الثانية» من خطة تسليم السلاح شمال نهر الليطاني، ما يؤكد الترابط العضوي بين الضربات العسكرية والأجندة السياسية.
نحن أمام تجاوز كامل لإطار الرسائل السياسية نحو رسائل عسكرية ميدانية صارخة تستهدف أحياء شعبية كاملة، في محاولة لفرض وقائع مسبقة على الأرض تسبق المواعيد والتواريخ السياسية المتفق عليها دولياً.
هذا المشهد يطرح تساؤلات مصيرية حول دور الحكومة اللبنانية الرسمية، التي تختزل نفسها في دور المتفرج السلبي أو الشاهد الذي يدعي العمى، أمام استمرار احتلال النقاط الخمس وخرق السيادة اللبنانية بشكل يومي، في سياسة تبدو وكأنها تتماهى بشكل مطابق مع المشروع الأمريكي الصهيوني الساعي إلى تجريد لبنان من أهم مقومات قوته وسيادته الحقيقية المتمثلة في سلاح المقاومة.
وهذا الهجوم المزدوج، عسكرياً وسياسياً، ليس منعزلاً، بل هو جزء من مشروع إقليمي أوسع، يهدف إلى تفكيك محور المقاومة وإضعاف قدراته التصعيدية في المنطقة.
فكيان العدو لا يحتاج إلى ذرائع حقيقية لتبرير اعتداءاته، سواء تلك التي تطال الجنوب اللبناني أو حتى المعابر الحدودية مع سورية، بل هو يستثمر بذكاء وجود قوى سياسية داخلية لبنانية تنسجم مع توجهاته وتعمل من الداخل لتمهيد الطريق وإحداث تغييرات جذرية تمس وجود المقاومة ودورها.
إن استهداف البيئة السكنية والمكونات الاجتماعية الداعمة ليس مجرد أضرار جانبية، بل هو جوهر السياسة الصهيونية المدعومة من قبل اليمين اللبناني المتطرف الذي يتحكم بمفاصل بعض مراكز القرار، ويسعى لفرض ما يسمى «استراتيجية دفاعية» هشة تهدف في جوهرها إلى نزع سلاح المقاومة تدريجياً وتسليم القرار الأمني والسياسي للعدو.
في مواجهة هذا التكالب المتعدد الجبهات، تبرز حكمة وخيارات المقاومة الاستراتيجية، وأهمها «الصبر المجدي»، وهو ليس موقفاً سلبياً، بل خيار محسوب ودقيق.
هذا المسار يركز على إعادة الترميم والهيكلة بعيداً عن أعين الرصد الاستخباري للعدو، والحفاظ على القوة وتطويرها، والانتظار الحذر للمتغيرات الجيوسياسية الإقليمية التي تمنح محور المقاومة مساحة أوسع للمبادرة.
فالتصعيد الحالي، رغم بشاعته، لم ينل من القدرات الفعلية والعقائدية للمقاومة، التي دخلت مرحلة من التطور التقني والمعرفي جعلتها في موقع قوة، إذ يجد العدو نفسه في حالة من «العمى الاستخباراتي الكامل» تجاه تحركاتها وتحصيناتها.
وهنا تكمن المعادلة الصعبة للعدو؛ فهو يدرك تماماً الكلفة الباهظة لتجاوز الخطوط الحمراء، وأن أي تصعيد قد يدفع نحو مواجهة ميدانية شاملة لا يحتمل تبعاتها، خاصة إذا بلغت الخسائر البشرية في صفوف المدنيين مستوى لا يمكن السكوت عليه.
المشهد المستقبلي يضع لبنان أمام مسارات معقدة وحادة؛ إما استمرار حالة الاستنزاف المتدرج والضغط السياسي المكثف، خصوصاً مع اقتراب المواعيد السياسية المفصلية، وإما الانزلاق غير المحسوب نحو مواجهة واسعة النطاق تفرضها الضرورات الميدانية وواجب الردع، أو محاولة فرض تسوية سياسية داخلية جائرة تستهدف سلاح المقاومة تحت عناوين مزيفة، ما قد يفتح الباب أمام أزمة داخلية حادة.
إلا أن الرهان الحقيقي والأقوى يظل رهاناً على وعي الشعب اللبناني، الذي اختبر مراراً حقيقة المشاريع الخارجية، وعلى القدرة العسكرية والاستراتيجية الفائقة للمقاومة، التي أثبتت عبر العقود أنها ليست مجرد مليشيا عابرة، بل هي إرادة وطنية متجذرة واستراتيجية دفاع حقيقية.
لقد أصبح جلياً أن لبنان، بقوته المقاومة وشعبه الواعي، غير قابل للتفكيك أو الإخضاع، وأن كل مشاريع الهيمنة ستصطدم حتماً بصخرة الصمود الميداني، وأن معادلات القوة في المنطقة تتغير بفعل إرادة المقاومين، الذين يعيدون كتابة قواعد الاشتباك ويحافظون على البوصلة متجهة نحو التحرر الكامل، مؤكدين أن زمن الهزيمة والاستسلام قد ولى إلى غير رجعة، وأن دماء الشهداء في الجنوب وفي غزة هي وقود النصر القادم بإذن الله.

أترك تعليقاً

التعليقات