من تطويق الساحل الغربي إلى استنزاف العمق السعودي:قراءة استباقية في خريطة التحول الاستراتيجي للقوات المسلحة اليمنية
- فهد شاكر أبو راس الأربعاء , 9 سـبـتـمـبـر , 2026 الساعة 12:31:57 AM
- 0 تعليقات

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
لا يكفي الوقوف أمام المشهد الميداني الراهن لفهم أبعاد التحول الاستراتيجي الذي تقوده القوات المسلحة اليمنية، بل إن القراءة العسكرية العميقة للمشهد تستوجب منا تجاوز لحظة الانتصار الآني إلى التحليل الاستباقي لما تخبئه الساعات والأيام القادمة..
فما تحقق في جبهات غربي تعز والحديدة والجوف ليس مجرد مكاسب تكتيكية عابرة، بل هو إعادة هيكلة كاملة لخريطة الصراع تضع الجيش اليمني على أعتاب مرحلة حاسمة لم يشهد لها الصراع مثيلاً منذ سنوات، فالنظر إلى التقدم المتسارع نحو مفرق المخا ومنطقة العريش يكشف أن الهدف الاستراتيجي الأكبر لم يعد مجرد الاقتراب من مضيق باب المندب، بل هو التمهيد لمعركة حسم كبرى ستغير معادلات المنطقة بأكملها، فالضغط المتواصل على هذا المحور الحيوي يعني أن الجيش اليمني يخطط لتطويق كامل للقوات الموالية للعدو السعودي في الساحل الغربي، حيث السيطرة على مفرق المخا ستؤدي إلى شل حركة الإمداد البري بالكامل بين تعز والسواحل، مما يجعل مرتزقة السعودية في الحديدة وجنوبها في حالة عزلة تموينية ولوجستية تامة، وهذا السيناريو سيُجبر العدو إما على الانسحاب الفوضوي نحو البحر أو المواجهة في معركة غير متكافئة.
وفي الجوف حيث حدثت تلك الضربة المدوية التي دمرت الهجوم السعودي ومرتزقته بالكامل، تشير الى أن المنطقة المفتوحة التي فشل فيها العدو رغم تفوقه الجوي لم تكن مجرد معركة دفاعية ناجحة، بل كانت اختباراً حقيقياً لقدرة الجيش اليمني على تحويل السهول المكشوفة إلى مصائد فتاكة باستخدام تكتيكات الكمائن المتقدمة والتحرك الليلي السريع، وهذا النجاح يفتح الباب أمام مرحلة مقبلة لا تقل أهمية، وهي أن الجيش اليمني سينتقل خلال الأيام القريبة القادمة من الدفاع عن الجوف إلى الهجوم المضاد لاستعادة باقي المناطق التي لا تزال تحت سيطرة المرتزقة، مستغلاً حالة الانهيار المعنوي التي أصابتهم جراء تلك الخسائر الفادحة، فالعدو الذي فقد أكثر من 500 قتيل في أيام قليلة وأصبح يعتمد كلياً على تدخل طيران التحالف لإنقاذ جبهاته المنهارة لا يملك أي قدرة على الصمود أمام موجة هجومية جديدة، فمع استمرار تدمير مخازن العدو في تعز والحديدة، وفشل هجومهم الذريع في الجوف، سوف تشهد الأيام القادمة هجوماً مكثفاً من الجيش اليمني لربط الجبهات الغربية بالشمالية عبر الزحف نحو مديريات حرض وميدي الساحلية، مما سيؤدي إلى تضييق الخناق على كامل الساحل الغربي وتحويله إلى جيب محاصر بالكامل، وهذه التحركات ستكون مصحوبة بموجة ثالثة من العمليات النوعية في العمق السعودي، حيث لم تعد ضربات مطار أبها والمنشآت النفطية مجرد ردود أفعال، بل أصبحت جزءاً من استراتيجية هجومية متكاملة تهدف إلى استنزاف العدو اقتصادياً ونفسياً بالتزامن مع الانهيار الميداني.
الجيش اليمني سوف يرفع سقف هذه الضربات لتشمل أهدافاً أكثر حساسية في الداخل السعودي، ليس كتصعيد عشوائي بل كخطوة مخططة لفرض معادلة جديدة تجعل تكلفة العدوان تفوق أي مكاسب سياسية أو عسكرية قد يتوهمها التحالف، ومع تواصل حكمة التكتيم التي تغلف هذه العمليات، فإن كل هذه التحولات ستأتي كصاعقة مفاجئة على العدو الذي لا يزال يعيش في وهم إعلامي يصور له النصر وهو يتجرع مرارة الهزيمة في كل جبهة، والأكثر وجعاً هو ما سيترتب على هذه المعطيات من تداعيات سياسية، فالانهيار العسكري المتسارع لمرتزقة السعودية سيدفع بالرياض وأبوظبي إلى طاولة مفاوضات من موقف ضعف غير مسبوق، حيث سيكون خيار وقف العدوان ورفع الحصار هو الباب الوحيد لإنقاذ ما تبقى من نفوذهم في المنطقة، لكن الجيش اليمني الذي استعاد زمام المبادرة ولديه كل أوراق الضغط لن يكتفي بتعهدات ورقية، بل سيسعى لترجمة تفوقه الميداني إلى شروط حازمة تضمن سيادة اليمن على كامل أراضيه ومياهه الإقليمية.
وبالنظر إلى المستقبل القريب، يمكن القول إن معركة باب المندب لم تعد مجرد مناورة عسكرية، بل أصبحت حتمية جيوسياسية، فالسيطرة على هذا المضيق الحيوي ستضع اليمن في موقع القوة الإقليمي الذي طالما حُرم منه، وستجعل من أي تحرك للعدو في البحر الأحمر مرهوناً بإرادة صنعاء، وفي سياق متصل، فإن الدروس المستفادة من انهيار دفاعات العدو في غربي تعز تؤكد أن أي محاولة مستقبلية للعدو لفتح جبهات جديدة أو شن هجمات مرتدة ستصطدم بنفس المصير، لأن الجيش اليمني لم يعد يقتصر على قتال المرتزقة بل أصبح يمتلك قدرة على قراءة العقول وسبق الخطوات، وهذا يظهر جلياً في الطريقة التي تم بها تفكيك الهجوم في الجوف حيث تم استباق تحركات العدو بكمائن محكمة في مناطق لم تكن في حساباتهم، مما أدى إلى مجزرة كشفت أن العدو السعودي ومرتزقته يعيشون في مرحلة ما قبل التاريخ العسكري بينما الجيش اليمني يكتب فصول المستقبل.
من المتوقع جداً أن يشن الجيش اليمني هجوماً شاملاً على أكثر من محور لاستغلال حالة الإرهاق والاستنزاف التي يعيشها العدو، وربما نشهد خلال الأسابيع المقبلة تحريراً كاملاً للساحل الغربي وصولاً إلى البحر، مما سيجعل اليمن دولة ساحلية بامتياز تتحكم بممراتها البحرية وتضع حداً للهيمنة الخارجية، وفي خضم هذا الزحف المتصل، يبقى السؤال الأهم: أين تلك القوات التي كان المرتزقة يتبجحون بها قبل أيام في طريقها إلى الجراحي وزبيد.؟!
إن الإجابة على هذا السؤال لا تحتاج إلى تحليل عسكري معقد، بل تكفي نظرة واحدة إلى ساحات المعارك حيث تتناثر جثثهم وآلياتهم المحترقة دليلاً على أن كل وعود إعلامهم وهمٌ كبير، وأن التدخل الجوي السعودي المكثف الذي نشهده اليوم ليس دليلاً على القوة بل هو تأكيد على العجز المطلق، فطائرات التحالف التي تحاول إيقاف زحف الجيش اليمني بقصف عشوائي هي نفسها التي تخشى الاقتراب من مواقع الدفاعات الجوية للجيش بعد أن أثبتت فعاليتها بإسقاط طائرات الاستطلاع المتطورة.
وهذا يعني أن المرحلة القادمة قد تشهد تحدياً صريحاً لطيران العدوان، حيث سيكون الجيش اليمني على أهبة الاستعداد لإسقاط أي طائرة حربية تحاول التعمق في أجوائه، وهذه النقلة النوعية ستغير تماماً من قواعد الاشتباك وتجعل العدو يفكر ألف مرة قبل أي تدخل جوي، وبينما يترقب الجميع هذه التطورات، يبقى المشهد الأكيد هو أن التفوق الاستراتيجي للجيش اليمني في تزايد مستمر، وأن كل يوم يمر يقرب صنعاء أكثر من استعادة كامل الأراضي اليمنية المحتلة، ليس لأن العدو ضعيف فقط، بل لأن إرادة الجيش اليمني مدعومة بحكمة قيادة لا تفصح عن كل أوراقها، تاركة للعدو فرصة التخبط في الظلام بينما ترسم هي ملامح النصر النهائي الذي لم يعد مجرد احتمال نظري بل أصبح خريطة طريق تقترب محطاتها بوتيرة متسارعة، وكل المؤشرات تقول إن الأيام القادمة ستشهد مفاجآت استراتيجية ستضع اليمن على عرش القرار الإقليمي، وتثبت للعالم أن من يمتلك الأرض والإيمان والعقيدة لا يهزم بغارات ولا بحصار، وأن الجيش اليمني الذي يحطم اليوم أساطير العدو سيكون غداً صانعاً للتوازنات الجديدة في المنطقة.










المصدر فهد شاكر أبو راس
زيارة جميع مقالات: فهد شاكر أبو راس