الأفيونُ القطيعي
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
أخطرُ أنواعِ الأفيونِ ليسَ ما يُدخَّنُ، ولا ما يُحقنُ في الوريد، بل ما يُحقنُ في العقلِ حتى يظنَّ العبدُ قيدَهُ سواراً، وعبوديتهُ انتماءً، ونباحهُ فكراً.
هذا هو الأفيونُ القطيعي.
حينَ يصبحُ الانتماءُ أهمَّ من الحقيقة، لا تحتاجُ السلطةُ إلى سجنكَ، أنتَ تسجنُ نفسكَ بنفسك، وتضعُ المفتاحَ في يدِ القبيلةِ وتصفقُ لها وهي تغلقُ البابَ عليك.
لماذا هو أفيون؟ لأنهُ يمنحكَ ثلاثَ لذائذٍ لا يمنحها التفكيرُ الحر:
التفكيرُ الحرُّ متعبٌ، موحشٌ، يطلبُ منكَ أن تشكَّ في نفسك، أن تسهرَ وحدكَ، أن تقولَ: لعلي على باطل. وهذا جحيم.
والأفيونُ القطيعيُّ مريحٌ، دافئٌ، لذيذ، يطلبُ منكَ فقط أن تهتفَ مع القطيع: نحنُ الأخيارُ المطلقون، وهم الأشرارُ المطلقون. نحنُ الضحايا الأبديون، وهم الجلادون الأبديون. فتنامُ قريرَ العين، وعقلكَ مخدّر، وضميركَ ميّتٌ، لكنَّ قلبكَ دافئٌ بدفءِ القطيع.
كيفَ يُصنع؟
يُصنعُ بثلاثةِ أمور تمزجُ معاً:
الأول: يقينٌ مجانيٌّ بلا ثمن.
أن ترى كلَّ ما يصدرُ عن خيمتكَ - ديناً، مذهباً، حزباً، قوماً - حقاً مطلقاً لا يأتيه الباطل، وكلَّ ما يصدرُ عن سواها باطلاً مطلقاً لا خيرَ فيه. لا دليل، لا برهان، لا تعب. حسبكَ النسب. يكفي أنَّ الفكرةَ وُلدتْ في خيمتنا لتكونَ مقدسة، ويكفي أنها وُلدتْ في خيمةِ عدونا لتكونَ مدنسة. هذا ليسَ إيماناً، هذا كسلٌ يلبسُ ثوبَ اليقين. إيمانُ الكسالى.
الثاني: شرفٌ مستعارٌ بلا كدح.
الأفيونُ يمنحكَ مجداً لم تصنعهُ، وعلماً لم تقرأهُ، وبطولةً لم تخضها. أنتَ عظيمٌ لأنَّ أجدادكَ كانوا عظماء، وأنتَ عالمٌ لأنَّ شيخكَ عالم، وأنتَ شريفٌ لأنَّ قبيلتكَ شريفة، وأنتَ منتصرٌ لأنَّ الحزبَ قالَ انتصرنا. مجدٌ بالإيجار، شرفٌ بالوراثة، لا بالعرقِ والدمعِ والسهر. ولهذا يدافعُ عنه بشراسةِ الكلبِ الجائع، لأنهُ لو سقطَ هذا الشرفُ المستعار، لاكتشفَ أنه عارٍ، صغيرٌ، بلا جناحين.
الثالث: ميزانٌ مكسورٌ في اليد.
وهو أخبثها. يصبحُ في يدكَ ميزانان:
ميزانٌ من ريشٍ لقومك، تزنُ بهِ جرائمهم فتسميها زلات، وكذبهم حكمةً، وغدرهم دهاءً، وظلمهم حزماً.
وميزانٌ من حديدٍ ونارٍ لخصومك، تزنُ بهِ زلاتهم فتجعلها خياناتٍ كبرى، وحسناتهم مؤامراتٍ خبيثة، وصدقهم نفاقاً.
نفسُ الفعلِ، هنا غنيمةٌ وهناكَ جريمة. نفسُ القولِ، هنا اجتهادٌ وهناكَ زندقة. فإذا رأيتَ الرجلَ يبكي للحقِّ إذا كانَ ضدَّ عدوه، ويصمتُ عن نفسِ الحقِّ إذا كانَ ضدَّ قومه، فاعلمْ أنه قد تعاطى الجرعةَ الكاملة، حتى الثمالة.
نبوءةُ أورويل
ما فهمهُ أورويل وفاتَ ماركس، أنَّ الطغيانَ لا يحتاجُ أن يمنعكَ من رؤيةِ الحقيقة، يكفيهِ أن يجعلكَ تحبُّ القطيعَ أكثرَ مما تحبها.
فإذا أحببتَ القطيعَ أكثر، كذبتَ أنتَ نيابةً عن الطاغية، وزوَّرتَ أنتَ التاريخَ بيدك، وصرختَ أنتَ: الهزيمةُ نصر، والقيدُ حرية، والليلُ نهار، والعتمةُ نور، وأنتَ تعلمُ في قرارةِ صدركَ أنكَ تكذب، لكنكَ تتلذذُ بكذبكَ لأنهُ يمنحكَ الدفءَ والتصفيقَ والانتماء.
تلكَ هي العبوديةُ المختارة. ليستْ سلاسلَ في المعصم، بل سلاسلُ في العقلِ، يفخرُ بها العبدُ ويحسبها قلادةَ مجد، ويدافعُ عن صانعها كأنهُ يدافعُ عن شرفه.
والخلاصُ من هذا الأفيونِ ليسَ قراراً فكرياً، بل ألمُ انسحابٍ وجودي.
أولُ أعراضهِ الوحدةُ الموحشة. أن تفيقَ فتجدَ نفسكَ خارجَ القطيع، بلا تصفيق، بلا هتاف، بلا خيمةٍ تسترُ عورتكَ، واقفاً وحدكَ في العراء.
لكنها وحدةُ الصقرِ المحلق الذي لا يقبل ماهية قطيعية  الكلب. الصقرُ وحيدٌ لأنهُ في السماء، والكلبُ محاطٌ بالقطيعِ لأنهُ يلعقُ الأحذيةَ على الأرض.
فاخترْ جرعتك: أفيونٌ دافئٌ يجعلكَ عبداً سعيداً يهتفُ مع القطيعِ المنتصرِ في الوهم، أم يقظةٌ موجعةٌ تجعلكَ حراً وحيداً يرى الهزيمةَ هزيمةً ولو هتفَ القطيعُ كلُّ القطيعِ أنها نصرٌ مبين.

أترك تعليقاً

التعليقات