في أنطولوجيا الصمت.. لغةُ المنفى
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لعل أول فعل فكري حقيقي هو القطيعة؛ قطيعة مع ضجيج اليومي، مع القنوات، مع الهراء الإعلامي والثرثرات، مع الخطاب الاستهلاكي الذي يحول الإنسان إلى متلقٍّ سلبي... نعم؛ فثمة ثلاثة أنماط من الخطاب تحكم وجودنا: خطاب نكون أمامه غرباء، لا يعنينا ولا نمثله؛ وخطاب ننطقه لا لنقول، بل لنسمع ذواتنا ونتحقق من وجودنا؛ وخطاب ثالث، وهو الأصل، لا يخضع أصلاً لسلطة اللسان؛ إنه خطاب سابق على اللغة، سابق على الحرف. فالكلام الذي يستحق أن يُسمى كلاماً هو ذاك الذي يرفض الابتذال، لا يبحث عن مصفقين، بل عن خلوة، لا يريد أن يُسمع، بل أن يُعاش.
وإذا كان اللسان عاجزاً، فمن يتكلم؟! يتكلم الوجود نفسه؛ لأن البيان الحقيقي ليس لفظياً؛ إنه ينعقد في الجبهة والحاجبين، ويرتجف في الشفتين، ويثقل في السكوت، ويتوهج في ابتسامة يثقلها الأسى، وينبجس من عينٍ أثقلها الظلم والغبن واستبد بها القهر، وينفجر في حركة مفاجئة تكسر رتابة المكان. هذه ليست انفعالات عابرة. هذه قضايا كبرى مكتوبة بلغة الجسد؛ هذه فصول من كتاب داخلي لا يفك شيفرته إلا من شارك الجرح نفسه. إنها اللغة الأولى، اللغة التي سبقت الكتابة، اللغة التي يفهمها الصامتون.
ثم نصعد درجة أخرى، إلى طبقة من المعنى لا تستطيع الفكرة أن تقبض عليها. معانٍ شفافة، متعددة الألوان، بلا كثافة ولا كتلة، تحلق في فضاء التخيل كطيور لا أثر لها. هي أقرب إلى ما نراه خلف الجفن المغمض: دوائر ضوئية تزول بمجرد أن نفتح العين. هذه المعاني لا تُصطاد بالمنطق، ولا يتم الوصول إليها إلا بالانسحاب والاعتزال، بإطفاء المصباح والجلوس في مواجهة العتمة. عندها فقط تبدأ الألعاب النارية الداخلية، وترى عقلك يرسم لنفسه عوالم لا اسم لها؛
ولكن في القمة هناك معانٍ أثقل من أن يحملها الخيال، معانٍ كثيفة إلى حد الاشتباك، لا صورة لها، ولا حدود، ولا اسم. وهنا نصل إلى لب المأساة الإنسانية: الغربة الأنطولوجية؛ ذلك اليقين الراسخ بأن هذا العالم ليس الموطن، وأن هذا السقف قصير، وأن هذا التراب ليس التربة. ولهذا ظل الإنسان منذ جلجامش وحتى اليوم يطلق صرخة واحدة. تتغير الألفاظ، ويبقى الألم واحداً، في تراتيل سومر، في زهد بوذا، في مناجاة الأولياء، في غضب الفلاسفة الوجوديين... كلها تجليات متباينة لجرح واحد: شعور الكائن بأنه منفي.
من هنا نفهم السر العميق وراء اقتران السمو بالحزن. فالروح كلما ارتقت، اتسع وعيها بضيق العالم. وحين ينهكها التكرار والتفاهة، تهرب إلى الفصول الرمادية، إلى الخريف، إلى الغروب، إلى الصمت؛ لأنها في تلك اللحظات المعلقة تشعر أنها على تخوم العالم، أقرب إلى المطلق الذي تنشده: اللانهاية، الأزلية، التجرد، النور الذي لا ظل فيه.
الإنسان كائن ممزق، نصفه طين ونصفه نفخة من روح الله. قدماه غارقتان في الوحل ورأسه يثقب سقف السماء. هذا التمزق هو منبع كل قلق وإبداع. والفن هو التمرد الأكبر على هذا الشرط، هو رفض لعجز الطبيعة، فالطبيعة لا تستطيع أن تجمع بين الضدين. لا يمكن لعلبة الثقاب أن تكون وطواطاً... ولكن الروح تأبى هذا العجز. 
لذلك كان الفن محاولة لتجميل المنفى، هو أن ننفخ معنى في الأشياء الصماء، وأن نعطي لغة للصخر، وروحاً للجماد، ولوناً للفراغ... هو أن نعيد تشكيل العالم القبيح على هيئة الفردوس الذي طُردنا منه. ولهذا كان كل إبداع حقيقي فعل عصيان. بيكاسو الذي حطم المنظور، وتنتوريتو الذي اخترع سماء صفراء، والشاعر الذي جعل من الصمت قصيدة... كلهم يقولون شيئاً واحداً: «الواقع لا يكفيني».
إذن، أين الحقيقة؟ ليست في الخارج، ليست في العناوين، ولا في الجدل، ولا في السوق... الحقيقة تبدأ حين تنقطع، حين تصمت، حين تدخل خلوتك وتستمع إلى اللغات التي لا تُقال. لأن الإنسان لم يُخلق ليستهلك؛ خُلق ليبحث، يبحث عن أنيس، عن جمال، عن معنى، عن وطن مفقود في أعماقه... وكل قصيدة، وكل لوحة، وكل نغمة، هي رسالة يرسلها المنفي إلى وطنه؛ رسالة فاشلة، لكنها نبيلة، وهي وحدها ما يجعل هذا السجن محتملاً.

أترك تعليقاً

التعليقات