ملحمةُ الثوريين واللافتة
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
حين بلغ الثورة كتاب كتبه الثوار بالدم؛ يحكي لها عن خيبة الرجاء وخيانة الحلم والذاكرة والهدف والمنطلق والغاية؛ قالت: أقسم بكل هذا الثرى الذي في كل ناحية منه شاهد قبر للباذلين مهجهم في سبيل الناس. أقسم بالدماء الشهداء والتي لم تجف بعد، وأقسم بالأسئلة التي قطعت ألسنتها. أنا لست بشراً، أنا ما تبقى من وطن بعد أن أكله أبناؤه. أنا اللافتة التي صلبتموها، ثم صلبتم بها رقابنا. فاسمعوا، فإذا نطقت الثورة انتهى الخراصون.
قال المشروع: لقد ذبحوني على رؤوس الأشهاد؛ ثم دفنوني في مقبرة النفايات. قال الثوار: ذات يوم دفنّا الشللية فانشق التراب وخرجت تضحك. لبست ثوب الولي وتاجرت بدم الشهيد وقالت: «أنا الشرعية والمشروع». استأصلنا المناطقية والمذهبية والعصبية بكل مخرجاتها؛ فأعادوا زراعتها وسقوها دموعنا وعرقنا. فكبرت وصار ظلها سجناً، وثمرها منفى، وماؤها دم من لا عشيرة له.
صنعنا نوعين من البشر: نوعا من ذهب؛ فهو فوق القانون وفوق الحساب. يخطئ فيُسمى خطؤه «اجتهاداً»، ويسرق فيُسمى «حفاظاً على المال العام بما يتطلبه واقع المرحلة»، ويسفك الدماء فيُسمى «حكمة». ونوعا من تراب تحت السؤال وتحت السوط. يصدق فيُكسر فمه، وينصح فيُدفن حياً، ويبكي فيُجلد ويُقال له: «تبكون على من؟».
من عدنان الحرازي إلى خالد العراسي، ومن بينهما نهر من الأسماء التي تحولت إلى أرقام على أبواب الزنازين وعلى أطراف أصابع الأمهات.
هنا نذبح كل صباح: الكرامة والعدالة والحق والكلمة. وهؤلاء الكهنة الجدد هم تجار «نعم» وباعة «اصمت» وحراس «لا تسأل». قالها الذي مضى بعد أن اختط المشروع بدمه: «إياكم وظلم المستضعفين». فجعلنا من دمه حبراً نوقع به على هدم بيوتهم.
يا مزر: كيف قمت مقام الطغاة قبلك؟ لكنك لم تعد تقتلني بيدك. صرت تقتلني بي. تذبحني باسمي، وتخنقني بشعاري، وتغتالني بلافتتي. ثم تتوضأ بدمي وتصلي على روحي وتقول: «هذا قدر المشروع».

القيامة
في الليلة السابعة لم يرتجف الحجر، ارتجفت القلوب التي دفنتموها تحت اسم «ضرورة». خرجنا من التراب، لسنا أجساداً. خرجنا سؤالاً له عينان تحرقان، وله فم؛ فالفم المخيط بتهديد والوعيد؛ صار له صوت يهز العروش.
وضعنا اللافتة في القفص وسألناها: «من قتلكِ؟» فقالت: «الذين حملوني». قلنا: «ولماذا؟» فقالت: «لأنهم أحبوا ظلي وكفروا بنوري». فانشق القبر وقال الصوت؛ كأنه المشروع: «لم أترك لكم لافتة، تركت لكم ميزاناً. فإن كسرتموه فاكسروا رقابكم» أو «اقتلوا أنفسكم إن كنتم صادقين».
فسقطت التيجان من رؤوس الشلل، وتحطمت سيوف «المصلحة». وقامت اللافتة، لكنها لم تقم قماشاً. قامت ناراً، قامت سؤالاً ينحت بأصابع بقيت من جسد شهيد مجهول على الصخور: «أهذا هو الدم الذي دفعناه؟».
قال الباعثون: لا نريد سلطة. نريد ميزاناً واحداً للجميع، وقانوناً واحداً فوق الجميع، وكرامة واحدة لا تُباع. ومن يأبى فليأخذ لافتته وليعلقها على مشنقته.

الوصايا الأخيرة
قال ثائرٌ: لطالما كنت أكتب بدمي لأن المداد خائن، وأكتب على الحجر لأن الورق يحترق.
ماذا كتبت؟ كتبت هذه الوصايا:
الوصية الأولى: وصية الميزان. لا ترفعوا شعاراً قبل أن تعدلوا ميزاناً. فإذا نجا صاحب الظهر وسُحق صاحب الحق، فاعلموا أنكم لم تثوروا بل بدلتم السجان بسجان جديد.
الوصية الثانية: وصية الناصح. من قال «قف» فقبلوا يده. فالمصفق الدائم هو القاتل الدائم. كسرتم المرآة فصرتم بلا وجه، وبقي القبح.
الوصية الثالثة: وصية المستضعف. دمعة المظلوم تهدم عرشاً، وأنين المحروم والثكلى والجائع والأرملة تزيل دولاً. المشروع قام من أجسادهم، فإن قام حكمكم باسمه على أجسادهم فقد قام ضد الناس.
الوصية الرابعة: وصية الكلمة. الكلمة إما سيف يقطع رأس الباطل، وإما قبر ندفن فيه الضمير. فإذا خرس المفكر فاعلموا أن الوطن دخل غرفة الموتى.
الوصية الخامسة: وصية الذاكرة. لا تنسوا لماذا ثرنا. ثرنا ضد القهر فلا تقهروا، وضد الذل فلا تذلوا، وضد الشللية فلا تصيروا شللاً. وإلا فالتاريخ سيكتبكم في سطر واحد: «كانوا الضحية فصاروا الجلاد».
الوصية السادسة: وصية القيامة. القيامة ليست أن نحكم. القيامة أن نكسر دائرة الدم قبل أن تدور بنا. وإلا فقد حكمتم بالفناء على أنفسكم.

أترك تعليقاً

التعليقات