مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الحُب.. الكائن الذي نعيشه ولا نراه
لم يكن الحُبُّ يوماً حادثة عابرة، ولا طيفاً يمرُّ ليترك عطره ثم يمضي.
كان -وما يزال- نهراً سِرّيّاً يجري تحت المدن الداخلية لقلوبنا، فإذا ما انشقَّت الأرض قليلاً، تفجّر ماؤه ورداً، وأضاء العالم من حولنا بنور لا يُرى إلا بالروح. 
الحب هو المعلّم الأول للعاطفة، وهو الفنّان الذي يعيد تشكيل وجوهنا من الداخل، ليجعل لكل واحدٍ منا وجهاً آخر؛ وجهاً يعرف كيف يبتسم حين لا سبب للابتسام.

مدرسة القلب الأولى
الحُبُّ هو أول مدرسة ندخلها بلا باب ولا جرس، لكنّ جدرانها من نبض، ومقاعدها من ذاكرة، ومعلمها الوحيد هو القلب.
هناك نتعلم كيف نرى العالم بعينين أوسع مما نملك، 
وكيف يصبح الإنسان مرآةَ إنسانٍ آخر دون أن يفقد صورته الخاصة.

ريح الشجاعة
هو الريح التي تمرّ على شجرة العمر فتهزّ أغصانها، فتسقط بعض أوراق الخوف، وتنمو بدلها أوراق الشجاعة.
بالحُبّ يجرؤ الإنسان على أن يقول: "أنا حيّ"؛ لا لأنه يتنفس، بل لأنه يشعر.

موسيقى الصمت
الحُبُّ لا يأتي بصخب الفرسان، ولا يطرق الأبواب بعنف، بل يدخل مثل نسمةٍ حانية في ظهيرة حارّة، ويترك في الروح ظلاً مريحاً... ثم يبدأ بنحت الموسيقى في الصمت، حتى يصبح الصمت نفسه أغنية.

ساعة الشوق الخاصة
حين يحب الإنسان، يتحوّل الزمن داخله إلى كائن لطيف؛ لحظة اللقاء تصبح أطول من العمر، ولحظة الغياب أقصر من قدرة القلب على الاحتمال؛ كأن الحُبَّ يملك ساعة خاصة، عقاربها من شوق، ودقائقها من انتظار.

امتحان اللطف الإنساني
الحُبُّ ليس وعداً بالفرح فحسب، بل امتحان للقدرة على الصبر، ومواجهة لضعفنا الأجمل.
إنه يعرض علينا هشاشتنا، كما تُعرض زهرة على ضوء الصباح، فتبدو ضعيفة، لكنها في الحقيقة تمتلك قوة أن تبقى رغم الريح.

لغة الأرواح
في الحب نتعلم اللغة مرة أخرى.
لا تعود الكلمات مجرد أصوات، بل تتحول إلى جسور بين روحين.
كلمة "كيف حالك؟" تصبح شفاء، و"اشتقت إليك" تتحول إلى وطن مؤقت... وجملة قصيرة قد تحمل حياة كاملة.

طفولة لا تشيخ
إذا ظنّ البعض أن الحُبَّ يشيخ، فإن الحقيقة أنه الوحيد الذي يظل طفلاً، لا يكبر إلا في نقائه، ولا يهرم إلا حين نكفُّ عن الاحتفاء به.
الحُبّ لا يشيخ. نحن الذين ننسى أن نمنحه مقعداً دائماً في قلوبنا.

خاتمة:
يا صديقي "غازي الديب"، الذي ذكرني بالحُبّ هذا الصباح، إذا كان الزمن الجميل سلسلة من المعاني التي تحفظ إنسانيتنا من الذبول، فإن الحُبَّ هو المعنى الذي يمنح كل المعاني نورها.
إنه الكائن الذي لا يُرى بالعين، لكنه يكتب قصصنا على جدران الروح، وكلما كتبنا عنه، شعرنا أنه أكبر من الكتابة، وأجمل من أن يُحاصر بالحروف. لكنه -برغم ذلك- يستحق دائماً أن نحاول؛ لأن محاولة الكتابة عنه، هي في حد ذاتها فعل حب.

أترك تعليقاً

التعليقات