مروان ناصح

مروان نــاصح / لا ميديا -
الصحافــــــة.. بـــين الحــــبر والمقــــصّ
كان هناك رجلٌ يشتري الجريدة كل صباح، يقلب الصفحة الأولى ثم يرميها جانباً.
سأله أحدهم: عمَّ تبحث في الصفحة الأولى؟
فأجاب مبتسماً: أبحث عن أخبار الموتى.
قال السائل متعجباً: لكن صفحة الوفيات هي السابعة!
فضحك الرجل وقال: لا يا صديقي؛ من أنتظر موته يُنشر خبره في الصفحة الأولى!

الحبر المراقب.. والنشرة السلطانية
فيما سُمّي "الزمن الجميل"، كانت الجريدة تُشترى كما يُشترى الخبز، وتُقرأ كما تُرتشف القهوة.
لكنها لم تكن تُصدَّق. كانت بياناً سلطانيّاً يُوزَّع على العامة، تُكتب فيه الكلمات بمداد الخضوع، وتُحرَّر العناوين بأصابع مرتجفة.
كانت الصحافة لساناً لا عيناً، تُعِدّ النشرة لا للناس، بل للحاكم أولاً، كما كانت رسائل الديوان تُقرأ وتُعدَّل قبل أن تصل إلى أصحابها.

صباح بلا مفاجآت
كان الناس يعرفون أن الجريدة لا تقول جديداً؛ لكنهم يشترونها على كل حال، كأنهم يشترون الأمل.
تُطوى تحت الإبط، يُقرأ العنوان الأول: "السيد الرئيس يوجّه..."، ثم تبدأ رحلة البحث عن خبرٍ له نبض. فلا يُرى سوى صور مكرّرة، وتحقيقات عن "إنجازات الجماهير"، وزاوية مملة عنوانها "من نبض الشارع"؛ والشارع نفسه لا يعرف أنّ له نبضاً.

الصحفي.. موظّف في بلاط الحبر
في عهد الحاكم الواحد، لم يكن الصحفي كاتباً، بل موظفاً برتبة بوق.
كانت الصحافة سلطة تابعة، لا رابعة.
تُقاس كفاءة الكاتب بقدرته على نظم قصيدة مديح طويلة بلغة التقرير الرسمي.
كان عليه أن يحفظ كلمات الولاء عن ظهر قلب: "النهج"، "القيادة الحكيمة"، "المرحلة المفصلية".
وكلما زاد غموضه، ارتفع منصبه، كما كان الحال في دواوين الخلفاء، حين كان الكاتب يحيا بين مداد الحذر وسيف العقاب.

مقالات بلا خصام
لم تكن في الصحف الرسمية "انفجارات" إلا في الدول البعيدة، ولا "أخطاء" إلا بفعل المؤامرة، ولا أزمات إلا "مفتعلة".
كانت المقالات تسير على صف واحد، كما يسير الجنود في العرض العسكري.
الفواصل محسوبة، والنقاط مدروسة؛ لأن الفاصلة قد تُفهم اعتراضاً، والنقطة قد تُفهم تحدّياً.

بين الجريدة والمقصّ
كان "رئيس التحرير" أول من يتلقى التعليمات، وآخر من يجرؤ على السؤال: هل نذكر اسم الوزير؟
هل ننشر صورة الأمير؟
هل ننشر آراء الناس في الموضوع الفلاني؟
ثم يأتي المقصّ الكبير، لا كأداة "تصحيح"، بل كأداة نجاة.
تُحذف الجمل المشبوهة كما تُقطع الرؤوس في صمت.
تتحوّل المقالة من فكرة إلى نشيد، ومن رأي إلى بيان.

من زمن الحبر إلى زمن الحذر
في الماضي، كانت الرقابة تسبق الطباعة. أما اليوم فهي ترافق النشر كظلٍّ لا يفارق صاحبه.
كان الصحفي يخاف الهاتف الأرضي، واليوم يخاف الإشعار الإلكتروني.
تغيّرت الأدوات؛ لكن الخوف هو ذاته، يبدّل شكله ولا يبدّل وظيفته.
وحتى في فضاء الحرية الرقمية، ما زال كثيرون يكتبون بنصف جملة، وبصوتٍ خافت، كأنهم في ديوان الخليفة لا على صفحات الإنترنت.

خاتمة: بين الحبر والنبض
في "الزمن الجميل"، لم تكن الصحافة تكذب. كانت فقط تُغمض عينيها.
كانت ترى بعين السلطة وتغضّ الطرف عن الناس.
وإن سألت صحفيّاً من ذلك العصر عن مهنته، قد يبتسم بحزن ويقول: كنا نكتب لننجو، لا لنُقنع.
أما اليوم، فهل بقي فينا من يكتب ليكشف لا ليُرضي؟!
من يؤمن أن الكلمة ليست بطاقة عبور، بل مسؤولية؟!
ربما لا نحتاج إلى "زمن جميل" جديد، بل إلى ضمير جميل يعيد للحبر نبضه، وللخبر صدقه، وللصحافة مهمتها وشجاعتها الأولى!

أترك تعليقاً

التعليقات