مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الإذاعة.. حين كان الصوت سيد الموقف
"افتح الراديو شوي.. عم يقولوا شي مهم!".
قبل أن تُغرقنا الشاشات والهواتف، وقبل أن تُنبت المنصاتُ آراءَ لا تنتهي، كان هناك صندوق صغير، بصوتٍ كبير، اسمه: الراديو. لم يكن مجرد جهاز إلكتروني، بل كان شريكاً في الفطور، ورفيقاً في السفر، وحارساً للهدوء قبل النوم...
كان الرفيق الموثوق في زمن كثرت فيه الأسئلة، وقلّت فيه الإجابات.

صوت يربط المدن والقرى
من أقصى القرية إلى قلب العاصمة، كان الصوت نفسه يُسمع: الأخبار تُقرأ بنبرة موحدة، الأغاني تُبث في التوقيت ذاته، والبرامج الثقافية والفكاهية والسياسية كانت تُشكّل وعياً جمعياً لا يُستهان به.
لكن الواقع كان يُظهر فجواته أيضاً، كما في تلك النكتة المتداولة يوم زار مسؤول كبير محافظة ريفية وسأل عن احتياجات الناس، فردّ عليه فلاحٌ ببراءة ساخرة:
"نحن يا سيدي بعيدون عن كل شيء؛ حتى نشرة الأخبار في الإذاعة تصلنا متأخرة عن العاصمة بنصف ساعة!".
ضحك الجميع؛ لكن النكتة كانت مرآةً لواقع مركّب: الإذاعة تصل، لكن العدالة لا. الصوت يُسمع؛ لكن لا يُجاب.

بين التوجيه والتنوير
الإذاعة في "الزمن الجميل" لم تكن حيادية أبداً. كانت تُدار غالباً من قبل الدولة، وتخضع لرقابةٍ صارمة، خصوصاً في النشرات السياسية، وفيما يُسمح بقوله أو حتى بهمسه عبر الأثير.
لكن رغم ذلك، كانت هناك برامج فكرية وأدبية وشعرية وموسيقية تُدهش، وتعلّم، وتؤنس. كان هناك من يكتب، ويُسجّل بصوته، ثم يُبَث عمله، فيشعل فينا شيئاً حياً.

صوت العدالة.. ولو تمثيلاً
في بلد يُشكو الناس فيه من غياب العدالة، صار الناس يتعبّدون تقريباً أمام برنامج بوليسي إذاعي اسمه "حكم العدالة" كل أسبوع، يُجسَّد فيه ملفٌ قضائي حقيقي بأداء درامي، ويستمع إليه الناس بشغف؛ لا لأنّ الأداء الفني جميل، وهو كذلك، بل لأنهم، ببساطة، يريدون أن يصدقوا أن هناك قاضياً ما، يحكم بالعدل.
"حكم العدالة" لم يكن برنامجاً فحسب؛ كان شعيرةً وجدانية تعوّض عن شعور يومي بالظلم واللامبالاة.
كانت الجريمة تُكتشف، والقاتل يُعاقب، وكان المستمع يشعر بأن ميزاناً مائلاً قد اعتدل، ولو بصوت تمثيلي في ذلك اليوم.

أصوات لا تُنسى
كان صوت المذيع جزءاً من هوية الإذاعة، وصوت المذيعة يحمل رنةً لا يخطئها القلب. منهم من أصبحوا رموزاً ثقافية؛ لا لأنهم قالوا كلاماً كبيراً، بل لأنهم عرفوا كيف يقولونه، ومتى يسكتون.
المستمع لم يكن يتلقى فحسب؛ بل كان يُصغي كما لو أنه يشارك في السر. وكان صوت الأثير أكثر حميمية من كثير من الأحاديث الواقعية.

الإذاعة.. ذاكرة الأزمات والمسرّات
في الحرب، كانت الإذاعة هي المصدر الوحيد للخبر، وللشائعات أيضاً.
وفي الأعياد، كانت الأغاني القديمة تُبكي الناس من الحنين. حتى النكات، والتمثيليات، وبرامج الأغاني المهدَاة، كانت وسائل لبناء نسيج عاطفي مشترك بين الناس، خاصة حين لم يكن هناك غير الأثير وسيلة للتواصل.

أين هي الإذاعة اليوم؟!
ما زالت موجودة، نعم؛ لكنها فقدت وهجها، واحتكارها، ومكانتها الطقسية.
أصبح الناس يسمعون ما يريدون، وقتما يشاؤون. الأصوات باتت كثيرة، إلى حد الضياع أحياناً. ومع "البودكاست"، والراديو الرقمي، عادت بعض التجارب المدهشة؛ لكنها لم تعد جماعية كما كانت، بل أصبحت "خاصة"، "فردية"، "متعددة"، وربما فاقدة لذلك الهمس الجماعي الذي كان يسمع كل صباح.
خاتمة: الإذاعة لم تكن فقط وسيلة إعلام؛ كانت مرآة زمنٍ له نبضه الخاص، وصوتاً يجمع المتباعدين، وذاكرةً تحفظها حناجر لم تعد على قيد البث.
في "الزمن الجميل"، كانت الإذاعة تُسمَع لا لملء الصمت، بل لأن فيها حياة.
اليوم، رغم كل التقدّم، نفتقد ذلك الصوت القريب، الذي كان يهمس في أسماعنا، بل في قلوبنا.

أترك تعليقاً

التعليقات