مروان ناصح

مـــــــروان نــاصـــح / لا ميديا -
العرس الشعبي.. حفلات بعطر المحبة
كانت المدينة تعرف الفرح كما تعرف الفجر.
يولد من نافذةٍ مفتوحة، من رائحة الطبخ التي تتسلل من بيتٍ إلى آخر، من ضحكةٍ صافيةٍ تشقّ الزقاق.
لم تكن الأعراس تخصّ العروسين وحدهما، بل كانت مناسبة ليتذكّر الجميع أنهم عائلةٌ واحدة، وأنّ الألفة القديمة ما زالت تنبض تحت غبار الأيام.

فاتحة الورد قبل الدعوات
لم تكن الدعوات تُكتب على بطاقات أنيقة، بل تُقال بكلمةٍ بسيطة: "تفضل، في بيتنا عرْس اليوم".
تخرج النسوة إلى العتبات حاملاتٍ صواني القهوة، ويهرع الأطفال يزينون المداخل بشرائطٍ ملوّنة.
تتطاير الضحكات، وتختلط رائحة الورد بالهيل، كأن المدينة تُعدّ نفسها لاحتفالٍ جماعيّ بالحب.

خطى المحبة تمشي بلا حدود
حين تبدأ الزفة، تمتدّ الأزقة كأنها ممرٌّ للحلم.
الدفوف تُقرع، والأيدي تُصفّق على إيقاعٍ واحدٍ يشبه نبض المدينة.
العريس يمشي بخطى واثقة، والعروس تلوّح من شرفةٍ مزيّنة بالياسمين.
من النوافذ تتساقط الحلوى، ومن النيات تتصاعد بركة الأيام المقبلة.

جرس الكنيسة.. وصدى القلب
في ظهيرةٍ ربيعية، كانت أجراس الكنيسة تدقّ، فتتطاير أسراب الحمام فوق الساحة، ويقترب الناس من الباب الكبير، وجوههم تبتسم بصدقٍ خالٍ من التكلّف.
في الداخل، المقاعد الخشبية مزدحمة، وبين الجالسين ترى شبانا من الحي، ملامحهم مستبشرة بالسعادة
هم من انتماء ديني آخر، لكنهم يجلسون بخشوعٍ وفرحٍ هادئ.
إنهم أصدقاء العريس منذ الطفولة، جاؤوا ليشهدوا لحظة حياته الجديدة، لا ليعرفوا طقسها فحسب.
حين ترتفع التراتيل، يبتسمون وكأنهم يسمعون دعاءً يعرفونه منذ زمن، وفي نهاية الصلاة، يمدّون أيدهم مصافحين، كأنّ المحبة صلاة مشتركة لا تحتاج إلى ترجمة.

عرس الحارة.. لا بيتين فقط
في تلك الليلة، يختفي الفرق بين الجيران والأقارب.
الطعام يُوزّع على الجميع، والضحك يملأ الشوارع كأنه موسيقى قديمة تعرفها الجدران.
العجائز يجلسن قرب المداخل يحكين عن أعراس مضت، والشباب يتهيؤون لرقصة "الدبكة" كأنهم يتهيؤون لطقس مقدس.
كل بيت يفتح بابه، لأن الفرح كان حقًا مشاعًا، لا يُختصر في حدود بيت أو عائلة.

الطائفة.. طيف يمرّ
على القلوب
في تلك الأيام، لم تكن الانتماءات تُقال.. كانت تُحس.
كانت تنعكس في طيبة الجار، وفي يدٍ تمتدّ بالعون دون سؤالٍ عن الاسم أو المذهب.
كان الفرح أكبر من التصنيفات، وأصدق من الشعارات.
لم يكن أحد يسأل من أين أتى الآخر، بل إلى أين نمضي جميعًا: إلى حياةٍ أبسط، إلى صدقٍ أنقى، إلى غدٍ يشبه القلوب التي تحتفل الليلة.

حين كان الفرح يكتب
ديانته باسم الإنسان
مع نهاية الحفل، حين تهدأ الموسيقى وتبقى الزغاريد عالقة في الهواء، يعود الناس إلى بيوتهم بخفةٍ جميلة، وقلوب منتشية بألق الفرح.
في الزمن الجميل، لم تكن الطقوس المتنوعة تُفرّق، بل كانت تجمعنا حول إنسانيتنا الأولى، حيث الفرح صلاة، والابتسامة إيمان، والمحبة ديانة لا تموت.

أترك تعليقاً

التعليقات