«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 82
- مروان ناصح الأحد , 18 يـنـاير , 2026 الساعة 12:08:12 AM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
الأعياد.. مهرجان المحبة الشعبية
في الزمن الجميل، كانت الأعياد أشبه بربيعٍ مفاجئ ينبت في القلوب قبل الساحات. لم تكن مجرد أيام تُسجَّل في دفتر الزمن، بل كانت أعراساً جماعية يتقاسمها الناس كما يتقاسمون الضوء والماء.
الأجراس والمآذن معاً كانت تُغني أغنية واحدة، تُعيد للحيّ يقينه بأن الفرح أقوى من الحدود.
نغم الوحدة
حين يقرع جرس الكنيسة في عيد الميلاد، كانت نوافذ المسلمين تُفتح على تباشير التهنئة. وحين يرتفع الأذان في صباح الفطر أو الأضحى، كان المسيحيون يردّدون مع جيرانهم: "كل عام وأنتم بخير".
ويبدو الحيّ كله كأنه مصلّى واحد، ومذبح واحد، يتبادل فيه البشر الدعاء بلا تفرقة.
الموائد.. محبة مطبوخة على نار واحدة
في العيد، تتحول الموائد إلى جسور.
صحن الكعك الذي يرسله الجار المسيحي، يلاقي طبق "المعمول" الذي يحمله المسلم، فيغدو الطعام قصيدة مكتوبة بالسكر والبهجة. كل وجبة كانت تفقد هويتها الفردية لتكتسب هوية أوسع: هوية المشاركة.
فوانيس بلا جدران
الأطفال كانوا أكثر صدقاً من كل الخطب.
يركضون بين البيوت حاملين أكياس العيدية، يضحكون، يتذوقون الحلوى، ولا يسألون إلا عن المزيد من البهجة.
في وجوههم كانت الأديان كلها تتصافح، وفي ضحكاتهم كانت الحواجز تذوب.
بسمة طفل كانت تكفي لتطفئ غضب الكبار وتفتح نوافذ المحبة.
مفاتيح المحبة الشعبية
لم يكن أحد يطرق باب جاره في العيد؛ لأن البيت كان بيتين والدار دارين.
القهوة تفور كما تفور الأغاني في الأعراس، والتهاني تتناثر مثل بتلات زهر على سجادة صباحية.
الحاضرون يسألون عن الغائب، ويستعيدون قصص الأمس وكأنها لم تُروَ إلا لتُحكى في هذا اليوم. العيد لم يكن عطلة، بل موسماً للقلوب كي تُدفئ بعضها.
الخطباء والكهنة.. لغة واحدة بالحنين
من على المنابر، كان الإمام يبارك للمسيحيين كما لو كانوا أبناء مسجده، وكان الكاهن يدعو للمسلمين كما لو كانوا من رعيته.
لم يكن الخطاب دينياً خالصاً ولا سياسياً مباشراً، بل إنسانياً يتجاوز الحدود.
كانت الروحانية تنسج خيوطها كجسر ذهبي بين السماء والأرض، بين الكنيسة والمسجد، بين القلب والقلب.
العيد.. نسيان للحزن وأمل كبير
حتى في أقسى اللحظات، كان العيد يذكّر الناس بوجههم الأجمل.
الأمهات يضعن دموعهن في جرار قديمة ويغلقنها. والآباء يُزيّنون بيوتهم ولو بخيط أمل رفيع.
الأحزان تُترك عند العتبات، لتدخل البيوت راية السلام.
خاتمة:
في الزمن الجميل، كانت الأعياد فصولاً من رواية جماعية اسمها "نحن".
لم يكن الفرح حكراً على بيت أو طائفة. كان يضع يده على كتف الحزن فيخفّف وطأته، ويذكر الغائبين فيعيدهم حاضرِين بالذكرى والدعاء.
كان العيد زائراً يطرق كل باب، ويسأل: "هل تسمحون لي بالدخول؟".
وفي ابتسامة الجار، في قطعة "معمول"، أو في كلمة طيبة، كان الجواب حاضراً: "ادخل؛ فهذا بيتك"!










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح