لماذا اليسار ضرورة تاريخية؟
 

أنس القاضي

أنس القاضي / لا ميديا -
لا ينبع وجود اليسار من مجرد اختيار فكري أو انتماءٍ أيديولوجي، ولا يرتبط بمرحلة تاريخية محددة يمكن أن تنتهي بانتهائها، بل يتصل بواقعٍ إنساني دائم يتمثل في حضور الظلم والتفاوت والاستغلال بأشكالٍ متعددة ومتحولة عبر الزمن؛ فطالما وجدت فجوات بين من يملكون ومن لا يملكون، وطالما ظهرت أنماط من الهيمنة أو الاحتكار أو الإقصاء، فإن الحاجة إلى قوة اجتماعية وسياسية تعبر عن مطلب العدالة ستظل قائمة، حتى وإن تغيرت الأسماء والأشكال، وتبدلت الشعارات والبرامج، إن اليسار، بهذا المعنى، ليس ظاهرة عابرة في التاريخ، بل استجابة متكررة لمشكلة بنيوية تتجدد باستمرار كلما اختل التوازن داخل المجتمع.
وفي هذا الإطار، لا يفهم اليسار بوصفه حزباً بعينه أو تياراً محدداً، بل بوصفه تعبيراً تاريخياً عن نزوعٍ إنساني عميق نحو تحقيق قدرٍ أكبر من التوازن داخل الحياة المشتركة. إنه الصيغة السياسية والتنظيمية التي تتجسد من خلالها الرغبة في الحد من التفاوت، وحماية الفئات الأضعف، والدفاع عن كرامة العمل، والسعي إلى توزيعٍ أكثر عدلاً للموارد والفرص، وهذه الرغبة ليست طارئة أو مرتبطة بزمنٍ دون آخر، بل رافقت المجتمعات في صورٍ مختلفة منذ أن بدأت تتشكل فيها الفوارق الاجتماعية، سواء في شكل احتجاجات، أو حركات اجتماعية، أو تيارات فكرية تدعو إلى العدل والمساواة.
ومع تغير الظروف التاريخية، تغيرت أيضاً طبيعة القضايا التي ينشغل بها اليسار؛ فبينما ارتبط في مراحل سابقة بالصراع حول شروط العمل الصناعي أو ملكية وسائل الإنتاج، اتسع مجال اهتمامه مع تطور المجتمعات ليشمل قضايا أوسع تتعلق بالتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والبيئة والحقوق الثقافية، وكل ما يمس جودة الحياة الإنسانية، ومع كل تحول اقتصادي أو تقني أو اجتماعي، تظهر أشكال جديدة من التفاوت، سواء في فرص العمل أو في الوصول إلى المعرفة أو في توزيع الخدمات والموارد، ويبرز معها من جديد دور القوى التي تسعى إلى الحد منها وإعادة التوازن داخل المجتمع.
إن هذه القدرة على التكيف مع تحولات الواقع هي ما يجعل اليسار ظاهرة مستمرة، لا مرتبطة بمرحلة صناعية بعينها أو بنمط اقتصادي محدد. فالتفاوت لا يختفي مع تغير أشكال الاقتصاد، بل يعيد إنتاج نفسه بطرق مختلفة، وفي كل مرة تظهر الحاجة إلى قوى تدفع باتجاه تنظيم المجتمع على نحوٍ أكثر إنصافاً، ولهذا فإن اليسار لا يعيش فقط في لحظات الأزمات الكبرى، بل يحضر أيضاً في فترات الاستقرار، بوصفه تياراً يذكر المجتمع دائماً بأن العدالة ليست معطىً ثابتاً، بل مهمة مستمرة تتطلب صيانة وتوسيعاً دائماً.
ولا يقوم اليسار على تصور حالم منفصل عن الواقع، بل يعمل من داخل الشروط القائمة، وبالأدوات المتاحة، وعبر التدرج والتراكم، فهو لا ينطلق من افتراض أن المجتمع يمكن أن يعاد تشكيله دفعةً واحدة، بل من إدراك أن التغيير عملية طويلة تتطلب بناء المؤسسات، وتطوير الوعي، وتنظيم المصالح الاجتماعية، والدفع المستمر نحو توسيع نطاق الحقوق، ولهذا فإن حضوره لا يرتبط فقط بلحظات التحول الكبرى أو الأزمات الحادة، بل يتجلى أيضاً في العمل اليومي الهادئ الذي يسعى إلى تحسين شروط الحياة، والدفاع عن المكتسبات الاجتماعية، ومنع تراجعها أو تقليصها.
ومن هنا تتجلى ضرورته التاريخية في كونه قوة توازن داخل المجتمع، تعمل على الحد من انفراد القوة الاقتصادية أو السياسية بتحديد مصير المجتمع، وتدفع باتجاه أن تكون الثروة والسلطة أكثر ارتباطاً بالمصلحة العامة، فكل مجتمع يحتاج إلى آلية داخلية تضغط باستمرار من أجل توسيع الحقوق، وتحد من تغول المصالح الضيقة، وتمنع تحول التفاوت إلى قدرٍ ثابت أو إلى بنية مغلقة تعيد إنتاج نفسها دون مقاومة، وفي هذا الدور يتجسد اليسار بوصفه صوت المطالبة بالعدل حين يختل الميزان، وآلية تنظيم لهذه المطالبة داخل المجال السياسي والاجتماعي.
كما أن ضرورته لا تنبع فقط من وجود الفقر أو الحرمان، بل أيضاً من وجود اختلالات أعمق تتعلق بكرامة الإنسان وموقعه داخل المجتمع، فكلما شعر الأفراد بأنهم مهمشون أو غير قادرين على التأثير في شروط حياتهم، برزت الحاجة إلى قوى تعمل على إعادة الاعتبار للعمل والجهد الإنساني، وعلى توسيع المشاركة في صنع القرار، وعلى ربط التنمية بمصالح المجتمع لا بمصالح فئات محدودة.
بهذا المعنى، لا يختزل اليسار في شعارات أو برامج جاهزة، ولا في تجربة تاريخية محددة، بل يفهم بوصفه حركة اجتماعية تاريخية تتجدد بتجدد التحديات، وتغير أدواتها بتغير الظروف، لكنها تحتفظ بجوهر ثابت يتمثل في السعي نحو العدالة والتوازن، وتبقى ضرورته قائمة ما بقيت الفوارق قائمة، وما بقيت الحياة الاجتماعية تنتج أشكالاً من الهيمنة والتفاوت، وما بقي الإنسان يبحث عن حياةٍ أكثر عدلاً وكرامةً واستقراراً داخل المجتمع.

أترك تعليقاً

التعليقات