ديمقراطية الإمبريالية وديمقراطية الشعوب!
- أنس القاضي الأثنين , 20 أبـريـل , 2026 الساعة 1:07:45 AM
- 0 تعليقات

أنس القاضي / لا ميديا -
في ظل الحرب الأمريكية الأخيرة على إيران، يطرح سؤال أساسي حول طبيعة الخطاب الديمقراطي الأمريكي، ما الذي تعنيه الديمقراطية في نظر هذا الخطاب، وما الذي يُسمح للشعوب بممارسته فعلياً داخلها؟
تظهر الديمقراطية الليبرالية التي يدعمها الغرب ويعنيها في خطابه السياسي التبشيري في صورتها الشائعة، بوصفها نظاماً يقوم على الانتخابات وحرية التعبير وفصل السلطات، غير أن هذه البنية تترك المجال الاقتصادي خارج نطاق الإرادة الشعبية، حيث يظل "السوق" المجال الحاكم الذي لا يخضع لقرار الناخب، بل تتحكم فيه الشركات الكبرى ومراكز المال، وبهذا المعنى، تمارس الديمقراطية داخل حدود سياسية محددة، بينما يبقى جوهر السلطة الاقتصادية خارجها.
ارتبط تشكّل هذه الصيغة في دول المركز بإمكانية تحقيق مكاسب اجتماعية داخلية، جرى تمويلها تاريخياً عبر تدفقات القيمة/ الثروة المنهوبة من دول الأطراف، أما في دول المنطقة، فتُطرح هذه الديمقراطية في سياق مختلف، حيث يجري الإبقاء على البنية الاقتصادية خاضعة لشروط السوق العالمي، بحيث يملك المواطن حق اختيار السلطة السياسية دون القدرة على التأثير في نمط الإنتاج أو في موقع بلاده داخل الاقتصاد العالمي.
في المقابل، عرفت تجارب أخرى سعت إلى توسيع المشاركة الاجتماعية في توجيه الاقتصاد والدولة، كما في الثورة البلشفية والتجربة الصينية، حيث جرى ربط السلطة السياسية بمشاريع اجتماعية واسعة شملت التعليم والصحة والعمل والخدمات، غير أن هذه التجارب افتقرت إلى آليات التعددية السياسية والمحاسبة للسلطة، ما أدى إلى تمركز السلطة وتحولها إلى أنماط استبدادية فقدت قدرتها على الاستمرار.
أنتج هذا المسار ثنائية زائفة في الخطاب العالمي: نموذجا ليبراليا يضمن الحريات الشكلية ويُبقي التبعية الاقتصادية، مقابل نماذج وطنية تسعى إلى الاستقلال لكنها تنتهي إلى أنماط سلطوية مغلقة. وتُقدَّم هذه الثنائية كما لو كانت خيارات نهائية، في حين تعكس في الواقع حدود البنية العالمية ذاتها.
في هذا السياق، يتخذ الخطاب الديمقراطي الغربي طابعاً وظيفياً في علاقته بدول المنطقة؛ الدعم أو الضغط لا يرتبط بدرجة الديمقراطية بقدر ما يرتبط بمدى اندماج الدولة في النظام العالمي القائم. فالأنظمة التي تؤمن تدفق الموارد، وتفتح أسواقها، وتحافظ على استقرار يسمح باستمرار التراكم، تحظى بالدعم بغض النظر عن طبيعتها السياسية، كما يظهر في نماذج متعددة في المنطقة.
وهنا تحضرني عبارة للدكتور سمير أمين: "إن معيار الغرب الأوحد كي تكون جيداً هو ألا تختار فك الارتباط معه، سواء كنت ديموقراطياً أم لا. المملكة السعودية أوضح مثال على ذلك، ولا أحد يتحدث عن نقص الديمقراطية فيها، لأنها دولة تابعة، وقد أصبحت "الجمهورية السعودية الديموقراطية" بنظر الغربيين. لكن بمجرد أن يختار أي بلد فك الارتباط، تبدأ متاعبه، وتُكال له اتهامات الشوفينية والعداء للديموقراطية"(1). تكشف تجربة إيران قبل وبعد الثورة هذا النمط بوضوح، ففي مرحلة الشاه حكم محمد رضا بهلوي، اندمجت إيران في بنية التبعية عبر دورها كمنتج رئيسي للنفط مع ارتباط وثيق بالمؤسسات المالية والعسكرية الغربية، وهو ما جعلها ترساً في نظام التراكم الذي تقوده المراكز الغربية، فحظيت بدعم سياسي وعسكري واسع.
بعد الثورة 1979م تغيّر موقعها داخل التراكم العالمي؛ إذ اتجهت إلى قدر من الاستقلال في إدارة مواردها النفطية، وإعادة توجيه سياساتها الاقتصادية والخارجية بعيداً عن الاندماج المباشر في المنظومة الغربية. هذا التحول مسّ وظيفة الدولة داخل النظام العالمي، فانتقلت من موقع المساهم في تدفق القيمة نحو المركز إلى موقع يحاول إعادة توجيه جزء من هذا الفائض داخلياً أو التحكم به سيادياً.
هذا التحول في الموقع الاقتصادي -الوظيفي هو ما أعاد تعريف علاقتها بالمراكز الغربية، وليس طبيعة النظام السياسي بحد ذاته (نظام الشاه، نظام ولاية الفقيه)، لذلك، تغيّر توصيفها من حليف إلى خصم، وهو ما يوضح أن معيار العلاقة مع المركز وشرعية النظام من منظور الغرب الإمبريالي يرتبط أساساً بموقع الدولة داخل شبكة التراكم العالمي ووظيفتها فيها، أكثر من ارتباطه بشكل النظام السياسي أو بدرجة ديمقراطيته.
تتصل هذه المسألة مباشرة بطبيعة الديمقراطية في دول الأطراف؛ فحين يمتلك المجتمع قدرة فعلية على التأثير في الاقتصاد، يتجه نحو سياسات إنتاجية تستجيب لحاجاته الداخلية، مثل تنويع الإنتاج، وتطوير الصناعة، وتعزيز الزراعة، وتقليل الاعتماد على تصدير المواد الخام، ويعني ذلك عملياً تعديل موقع الدولة داخل التقسيم العالمي للعمل، وهو ما يمس أحد الأسس التي يقوم عليها النظام الرأسمالي العالمي.
في ضوء ذلك، تتحدد حدود القبول الدولي لأي مسار ديمقراطي في الأطراف بمدى توافقه مع هذا الإطار؛ فالديمقراطية التي تظل ضمن حدود إدارة الشأن السياسي دون المساس بالبنية الاقتصادية تحظى بقبول أوسع، بينما يواجه أي مسار يربط بين الديمقراطية والسيادة الاقتصادية ضغوطاً متعددة.
مع ذلك، لا يقود هذا التحليل إلى التخلي عن فكرة الديمقراطية أو القبول بالاستبداد بوصفه بديلاً؛ فالمسألة تتعلق بإعادة صياغة مفهوم الديمقراطية ذاته، بحيث يشمل البعدين السياسي والاقتصادي معاً، ويُبنى على قدرة المجتمع على التأثير في توزيع الموارد وفي اتجاه التنمية، إلى جانب ضمان الحريات السياسية وآليات المحاسبة للسلطة المنتخبة وللنخب الاقتصادية القائمة.
بهذا المعنى، تظهر الديمقراطية بوصفها عملية ديالكتيكية تتجاوز الإجراءات الشكلية، وتشمل تنظيم العلاقة بين المجتمع والدولة والاقتصاد، بما يتيح توجيه النشاط الاقتصادي نحو تلبية الحاجات الاجتماعية، ويمنع في الوقت نفسه تمركز السلطة خارج أي رقابة.
وفي هذا الإطار، تتحدد معركة الشعوب بوصفها سعياً لبناء ديمقراطية متكاملة تجعل السُلطة كل لسُلطة للشعب، تجمع بين السيادة الاقتصادية والحقوق السياسية، وتفتح المجال أمام مشاركة فعلية في صنع القرار، دون وصاية خارجية أو احتكار داخلي للسلطة.
هامش:
(1) الولايات المتحدة تفقد هيمنتها على العالم، الحوار المتمدن -العدد (5738)، 2017/12/25.










المصدر أنس القاضي
زيارة جميع مقالات: أنس القاضي