الرأسمالية والحرب ودونالد ترامب!
 

أنس القاضي

أنس القاضي / لا ميديا -
تتداخل القرارات العسكرية في الولايات المتحدة مع المصالح الاقتصادية للنخب المُسيطرة، بحيث تتحول الحروب إلى آلية تُضخ من خلالها أموال الشعب الأمريكي دافع الضرائب من الخزينة العامة إلى شركات السلاح والتكنولوجيا المرتبطة بها، فمن قبل أن يخرج الرئيس بقرار الحرب تتحرك وزارة الحرب لتلبية احتياجات التسليح والدعم الفني، ويرتفع الطلب على الذخائر الدقيقة، وأنظمة الطائرات المسيّرة، وبرمجيات تحليل البيانات، وأنظمة القيادة والسيطرة، فتُبرم عقود عاجلة مع شركات تمتلك القدرة على الإنتاج السريع، فتنتقل إليها مبالغ مالية كبيرة خلال فترة قصيرة، وفي ظل الحرب العدوانية القائمة على إيران، يذهب جزء من كبير من أرباح الحرب إلى عائلة ترامب ودائرة المقربين  منه.

الحرب والصراع الطبقي
تأخذ وزارة الحرب الأمريكية موقع الجهة الأكثر تأثيراً في السوق مع بدء العمليات، فتحدد طبيعة الطلب، وتوجّه الموارد نحو شركات تمتلك قدرة إنتاجية جاهزة ونفوذاً واسعاً داخل المجمع الصناعي العسكري، مثل لوكهيد مارتن ونورثروب غرومان. ومع صدور الأوامر العسكرية، يتوسع الإنتاج فوراً، وتُفتح خطوط توريد إضافية، وتُصرف دفعات مالية مباشرة لهذه الشركات، دون المرور بمسار تنافسي طويل، لا يقتصر هذا الوضع على الاستجابة للحرب، بل يرتبط بدور هذه الشركات في التأثير على السياسة الخارجية نفسها، من خلال علاقاتها مع دوائر القرار وجماعات الضغط، حيث تدفع باتجاه تبني خيارات أكثر استخداماً للقوة، بما يضمن استمرار الطلب على منتجاتها.
يخلق هذا المسار استقراراً في إيرادات هذه الشركات، ويمنحها قدرة على التخطيط للتوسع في الانتاج دون مواجهة خطر انخفاض الطلب، في وقت تتجمع فيه الأموال داخل قطاعات محددة، ويتقدم قطاعا السلاح والتكنولوجيا على حساب مجالات أخرى. التمويل هنا لا يأتي من فراغ، بل من ضرائب تُقتطع من دخل العامل الأمريكي، ومن موارد عامة كان يمكن أن تُوجَّه إلى التعليم أو الصحة أو البنية التحتية، ويظهر الربح في حسابات الشركات، بينما تتحمل الموازنة العامة الكلفة، ما يكشف عن انتقال مباشر للموارد من المجتمع إلى رأس المال العامل في المجال العسكري.
في هذا السياق، تتضح صورة الصراع الطبقي داخل الاقتصاد الأمريكي، حيث يُستخدم جهد العمل في تمويل نشاط لا يعود على العمال بخدمات أو تحسين في ظروفهم، بل يُعاد توجيهه نحو شركات تحقق أرباحاً من الحرب. يمكن هنا تمييز مستويين مترابطين من هذا المسار. يتمثل الأول في الضرائب التي تُقتطع من دخل العامل، وهي في الأصل جزء من أجره الذي نتج عن عمله، ثم تُعاد توجيهها لتمويل إنتاج أسلحة لا ترتبط بحماية مصالحه المباشرة، بل بحماية أرباح الشركات الكبرى ونفوذها. ويتمثل المستوى الثاني في حالة العامل نفسه عندما يعمل داخل خطوط إنتاج السلاح، حيث يتحول جهده إلى جزء من عملية إنتاج تحقق أرباحاً لهذه الشركات، ويُستخرج من عمله فائض قيمة يتحول إلى ربح في حسابات شركات مثل «لوكهيد مارتن».
بهذا الشكل، لا يقتصر الأمر على تحويل الضرائب نحو القطاع العسكري، بل يمتد إلى استخدام العمل ذاته داخل هذا القطاع لتوليد أرباح إضافية، ما يجعل العامل مشاركاً في إنتاج الثروة التي لا تعود عليه، سواء عبر الضرائب التي يدفعها، أو عبر العمل الذي يؤديه داخل المصانع. هذا الترابط بين التمويل والإنتاج يكشف عن عمق العلاقة بين الحرب والبنية الطبقية، حيث تتجمع الموارد والجهود في اتجاه واحد يخدم رأس المال.
يرتبط هذا المسار أيضاً بالتحولات السياسية داخل الولايات المتحدة، حيث جاء صعود دونالد ترامب إلى البيت الأبيض على خلفية خطاب يركز على إنهاء الحروب وسحب القوات ووقف استنزاف الأموال العامة في الخارج، إلا أن الواقع أظهر استمرار تدفق الموارد نحو القطاع العسكري مع اندلاع الحرب على إيران عام 2026م، ما يعني أن البنية الاقتصادية المرتبطة بالحرب ظلت فاعلة، وأن توجيه الموارد نحو هذا القطاع استمر رغم التغير في الخطاب السياسي.
تأتي أموال الحرب من الخزينة العامة عبر الضرائب والاقتراض، ومع زيادة الإنفاق العسكري يتجه جزء أكبر من هذه الموارد نحو شركات الدفاع والتكنولوجيا، فتتقلص الموارد المتاحة لقطاعات أخرى تخدم المجتمع. يتجسد الربح في حسابات هذه الشركات، بينما تظهر الكلفة في الموازنة العامة، ويتكوّن تباين واضح بين ما تحققه الشركات من مكاسب، وما يتحمله المجتمع من أعباء، وفي هذا الإطار، لا تظهر الحرب فقط كصراع عسكري، بل كآلية تُعاد من خلالها توزيع الموارد داخل الاقتصاد، بحيث تتجه نحو القطاعات التي تعزز القوة العسكرية والتكنولوجية، وتبتعد عن المجالات المرتبطة بحاجات المجتمع اليومية، وبناءً على هذا الأساس الطبقي تعارض الشرائح الواعية من الطبقة العاملة الأمريكية الحروب وتشترك في التظاهرات التضامنية مع الشعوب المضطهدة، وتعبر عن هذا الموقف سياسياً على لسان قوى اليسار العمالي الاشتراكي بتعبيراتها الحزبية العديدة، وفي المقدمة الحزب الشيوعي الأمريكي (CPU).

الربح السريع في ظل الحرب
في وضع الحرب، وضع الطوارئ، تكون امكانية تحقيق الأرباح مضمونة أكبر، وإمكانية نهب الموارد العامة وأموال دافعي الضرائب ممكنة دون رقيب، إذ تُختصر مراحل التعاقد خلال الحرب، فتتقلص مدة الدراسات والمراجعات للصفقات العسكرية، وتُمنح الجهات التنفيذية صلاحيات أوسع لإبرام العقود بسرعة، ما يعني سرعة في توقيع العقود ودفع الأموال، فتتمكن الشركات من إعادة استخدام هذه الأموال في توسيع الإنتاج وشراء المواد الخام وتشغيل خطوط الانتاج، لتحقيق المزيد من الأرباح، فحين تتحرك خطوط إنتاج السلاح تتوفر فرص عمل جديدة وفرص العمل هي في ذات الوقت فرص لاستغلال عمال الصناعات العسكرية، في دورة من الربح المستمر.

دور شركات التكنولوجيا في الحرب
تعتمد العمليات العسكرية الحديثة على البيانات والبرمجيات بقدر اعتمادها على السلاح التقليدي، تقدم شركة مثل «بالانتير للتقنيات» خدمات تحليل البيانات، وتساهم في تحديد الأهداف وإدارة العمليات، بينما تطور شركة أندوريل للصناعات أنظمة مراقبة وطائرات مسيّرة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتُستخدم مباشرة في الميدان.
تحصل هذه الشركات على عقود، وتستفيد كذلك من ارتفاع قيمتها في السوق، حيث ينظر إليها المستثمرون باعتبارها جزءاً من مستقبل الصناعة العسكرية، ةمع كل عقد جديد، ترتفع ثقة المستثمرين فيها، فتزداد قدرة هذه الشركات على جذب التمويل، ويتوسع نشاطها بسرعة، وتتحول العمليات العسكرية العدوانية  إلى مساحة لاستخدام وتطوير منتجات هذه الشركات التي دخلت مسرح الحرب منذ فترة قريبة.

ترامب والمقربون منه وأرباح الحرب
تُظهر الوقائع المرتبطة بالحرب الأمريكية على إيران عام 2026م حضور شبكة اقتصادية مرتبطة بترامب داخل القطاعات التي ارتفع الطلب عليها مع بدء العمليات، حيث يبرز هذا الحضور من خلال استثمارات موجهة نحو الصناعات العسكرية والتكنولوجية التي تلقت تدفقات مالية مباشرة من وزارة الدفاع. يرتبط دونالد ترامب الابن، بصندوق استثماري يُعرف باسم «1789 كابيتال»، وقد ركّز هذا الصندوق على الاستثمار في شركات تعمل في مجالات الطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، ومكونات الصناعات الدفاعية، وهي المجالات نفسها التي شهدت توسعاً سريعاً مع اندلاع الحرب. هذا التوجيه المسبق للاستثمارات يعني أن الصندوق كان حاضراً داخل القطاعات التي تستقبل التمويل العسكري، ما جعل أي زيادة في الإنفاق تتحول تلقائياً إلى مكاسب للشركات التي يمتلك فيها حصصاً.
في الوقت نفسه، دخل دونالد ترامب الابن وإريك ترامب كمستثمرين في شركات تعمل في مجال الطائرات المسيّرة، من بينها شركة «باوروس» التي بدأت خلال عام 2026م بعرض أنظمة اعتراض الطائرات المسيّرة في دول الخليج، وهذه الدول واجهت تهديدات مباشرة نتيجة استخدام قواعدها من قبل الوليات المتحدة ضد إيران، ما رفع الطلب على هذه الأنظمة، وحوّل المنطقة إلى سوق نشطة لمنتجات هذه الشركات، وبهذا الشكل، لم يقتصر الربح على العقود الأمريكية، بل امتد إلى أسواق خارجية تأثرت بالحرب، حيث تتحول الحاجة الأمنية إلى فرصة تجارية للشركات المرتبطة بهذه الشبكات.
يتجاوز هذا الترابط مستوى الإنتاج العسكري ليشمل النشاط المالي المرتبط بالتوقعات السياسية، يرتبط دونالد ترامب الابن بمنصات استثمار تعتمد على التنبؤ بالأحداث، مثل منصة «بولي ماركت»، التي تسمح بالمراهنة على القرارات السياسية والعسكرية، وخلال الفترة التي سبقت الضربة الأمريكية على إيران في فبراير 2026م، ظهرت عمليات استثمارية كبيرة تراهن على وقوع الهجوم، وحققت أرباحاً بعد تنفيذه.
كما تظهر مؤشرات على اهتمام مبكر داخل الدوائر المرتبطة بوزارة الدفاع بالاستثمار في شركات السلاح قبل بدء العمليات، حيث تحدثت تقارير إعلامية عن محاولات لاستثمار أموال في صناديق تضم أسهماً لشركات دفاع كبرى خلال الأسابيع التي سبقت الحرب.
هذا المشهد يبين أن المحيط المرتبط بترامب وهم جزء من النخبة الاقتصادية الأمريكية، المتمركزين في قطاعات الدفاع والتكنولوجيا التي تستقبل التمويل العسكري، كان لهم مصلحة مباشرة من العدوان على إيران وتأجيج الحرب في المنطقة، دون ان يعني لك ألا وجود للدوافع الجيوسياسية للولايات المتحدة في حربها على إيران، فهناك تناغم بين الأمرين، وفي المحصلة لدينا نموذج واضح حد الوقاحة يُبين لنا كيف تصوغ شركات الحرب السياسة الخارجية الأمريكية وكيف تقوم الإدارة الأمريكية باتخاذ قرار حرب من أجل مصالح خاصة مرتبطة بأسرة ترامب ذاتها والمقربين منه وأقلية  من الطغم الأمريكية المرتبطة بالصناعات العسكرية والتقنية.

التحول في علاقة الرأسمالية بالحرب
يتجه النشاط العسكري في المرحلة الراهنة إلى نمط يقوم على تشغيل العمليات ذاتها كمصدر للربح، حيث يرتبط العائد بسرعة تنفيذ الضربات وتزويد الجيش بالأنظمة والبرمجيات، بدلاً من الاعتماد على وجود عسكري طويل داخل مناطق الصراع. يؤدي ذلك إلى انتقال سريع للأموال من الدولة إلى الشركات، وإلى توسع قطاعات مرتبطة بالتكنولوجيا العسكرية، حيث تتقدم شركات البرمجيات والطائرات المسيّرة وتحليل البيانات داخل السوق، وتصبح جزءاً أساسياً من النشاط الاقتصادي المرتبط بالحرب.
ينسجم هذا المسار مع توجهات داخل الاقتصاد الأمريكي تسعى إلى دفع النشاط الصناعي داخل البلاد، وهو ما ظهر في سياسات دونالد ترامب التي ركزت على إعادة توجيه الإنتاج نحو الداخل، في هذا السياق، لا تُستخدم الحرب فقط كأداة خارجية، بل كوسيلة لتحريك الطلب على منتجات صناعية وتقنية يتم إنتاجها داخل الولايات المتحدة.
يرتبط هذا التوجه أيضاً بظروف اقتصادية أوسع داخل النظام الرأسمالي الأمريكي، حيث تواجه الشركات ضغوطاً ناتجة عن تراجع العوائد في بعض القطاعات، وارتفاع مستويات الدين، وتباطؤ النمو في مجالات مدنية. في مثل هذه الظروف، يتجه رأس المال نحو المجالات التي تضمن طلباً مستقراً ومدفوعاً من الدولة، ويأتي الإنتاج الحربي في مقدمة هذه المجالات.
في هذا الإطار، تتحول الحرب إلى وسيلة لامتصاص جزء من الضغوط التي تواجه الاقتصاد، حيث يُعاد توجيه الأموال نحو قطاع قادر على تحقيق أرباح خلال فترة قصيرة، ما يخفف من حدة التباطؤ في مجالات أخرى. هذا لا يعني أن الحرب تعالج الأزمات الاقتصادية بشكل جذري، بل تمنح النظام فترة من النشاط المرتفع داخل قطاعات محددة، وتؤجل ظهور آثار التباطؤ العام.
بهذا الشكل، يظهر الترابط بين الحرب والاقتصاد في صورة عملية مستمرة، حيث تتحول العمليات العسكرية إلى مجال لتوظيف رأس المال، وتتحرك الأموال داخل هذا المجال بسرعة، وتُعاد من خلالها صياغة مواقع القطاعات الاقتصادية، بما يعكس طبيعة العلاقة القائمة بين الدولة ورأس المال داخل النظام الرأسمالي.

أترك تعليقاً

التعليقات