الوعي اليومي وحركة التقدم
 

أنس القاضي

أنس القاضي / #لا_ميديا -

تَشهد اليمن حراكاً اجتماعياً ثورياً منذ 9 سنوات، أبرز محطاته 11 فبراير وثورة 21 أيلول 2014م، ثم النهوض إلى مواجهة العدوان العسكري الذي بدأ عشية 26 مارس 2015م، هذا الحراك الممتد المستمر يجري في الواقع المادي وفي حركة الوعي في آنٍ.
لا يُقاوَم الحراك الثوري اليمني ومساعي التغيير والتقدم والنهوض فقط عبر الوسائل المادية من قِبل أصحاب المصالح الطفيلية الاستغلالية الفاسدة والاستعمارية التوسعية الأجنبية، بل يلقى ممانعة من أنماط الفكر والوعي الاجتماعي السائد، وهوَ وعي رجعي غير علمي يعمل على تثبيت واقع الانهزامية والركود اليمني وتبرير الطفيلية والأنانية وأنماط الحياة والحكم الفاسدة، فهو ينتمي إلى أشكال الحكم والسيطرة والتسلط السابقة، ورغم تهدم كثير من ركائز السُلطة السابقة، إلَّا أن الفكر الذي ينتمي إلى تلك السُلطة ويخدمها مازال قائماً، فهذا الوعي حصل على استقلالية نسبية عن الواقع، وأصبح وعي المجتمع العام رغم أنه متناقض مع مصالح المجتمع، وفي كثير من الأحيان قامت مراكز نفوذ وأصحاب مصالح بتعميم تلك المقولات لكي يبقوا على الواقع كما هو، وحتى لا يتغير في صالح القوى والطبقات والشرائح الاجتماعية التي تنشد الحق والعدل والمواطنة المتساوية. 
الوعي اليومي السائد في حالة تصادم مع الوعي الثوري الجديد المُتشكل من الثقافة القرآنية ومن التجربة الثورية وتجربة مواجهة العدوان، فكما تصطدم المصالح وأنماط السلوك القديمة والجديدة، تتصادم أيضاً أشكال الوعي، إلَّا أن الوعي اليومي الرجعي مازال حتى الآن هو المتفوق، فيما الوعي الجديد المُتشكل يكاد ينحصر على القوى الثورية المواجهة للعدوان وعلى كوادرها، وعلى النخب الثقافية الإسلامية واليسارية والقومية، فيما أوسع الجماهير مازال وعيها هو الوعي القديم.
إن خطورة بقاء وتسيد الوعي القديم تكمن في أنه يعمل ككوابح وعقبات أمام حركة التقدم والتطور والتحديث والثورة والمقاومة، ويعزل أوسع الجماهير عن الإسهام في مجرى حركة الثورة والتحرر والاستقلال التقدم والتطور، فهو يتعامل مع الواقع القديم باعتباره الواقع الأصيل في المجتمع والوطن، والذي لا يتغير، فيحرم الجماهير من روح المبادرة ومن الاستجابة للدعوات الثورية الوطنية، بل يعيق أيضاً تطبيق السياسات الوطنية في مؤسسات الدولة إن وجدت مثل هذه التوجهات، كما يثبط حماسة المندفعين إلى ميادين العمل سواء الكفاحية الجهادية أو المؤسسية الخدمية ويبث الروح السلبية الأنانية.
في هذا العمود «نقض الوعي اليومي»، من «مرافئ» الملحق الثقافي الأسبوعي لصحيفة «لا»، سأتناول العديد من المفاهيم والتعميمات والأمثال والمقولات التي ترد في الحياة اليومية كوعي سلبي يتناقض مع حقائق العلوم الطبيعية وعلوم الاجتماع والمنطق والدين ومع التجربة التاريخية لشعبنا اليمني منذ تشكل الدولة الوطنية اليمنية ومن تاريخها الحضاري، وسأحاول ما أمكن إثبات عدم صوابية هذا الوعي، وتعليل حقائق الإشكاليات الذي عجز الفكر اليومي عن إدراكها، وغطى عليها بتعميماته غير العلمية.

أترك تعليقاً

التعليقات