القوى المُعيقة للتقدم الاجتماعي
- أنس القاضي الثلاثاء , 24 فـبـرايـر , 2026 الساعة 2:03:53 AM
- 0 تعليقات

أنس القاضي / لا ميديا -
لا يتحدد خصم التقدم الاجتماعي في طبقة واحدة محددة بالمعنى التقليدي الضيق، ولا يمكن اختزاله في فئة اجتماعية بعينها، بل يتجسد في بنية مركبة من المصالح والقوى والعلاقات التي تتشابك لتعيد إنتاج واقع التخلف والتفاوت، وتعيق أي مسار نحو بناء دولة مستقرة أو اقتصاد منتج أو مجتمع أكثر عدالة؛ فالمسألة لا تتعلق بمواجهة مجموعة اجتماعية محددة بقدر ما تتعلق بمواجهة منظومة متكاملة تنشأ في ظروف الهشاشة الاقتصادية والسياسية، وتتغذى من استمرار الفوضى وضعف المؤسسات، ومن تداخل السلطة بالثروة، وتحول النفوذ إلى وسيلة للهيمنة لا أداة لتنظيم الحياة العامة.
في قلب هذه البنية يقف اقتصاد الحرب بوصفه أحد أخطر أشكال إعادة إنتاج التخلف، حيث تتحول الصراعات الممتدة إلى مصدر دائم للدخل والنفوذ، وتتشكل حولها شبكات مصالح ترتبط باستمرار التوتر والعنف لا بانتهائهما، ومع ترسخ هذا النمط، تتكون فئات تستفيد من حالة عدم استقرار، وتبني وجودها الاقتصادي والسياسي على استمرارها، فتغدو الحرب، أو ما يشبهها، شرطاً لبقاء امتيازاتها، وفي ظل اقتصاد يقوم على الغنيمة لا على الإنتاج، تتراجع قيمة العمل، ويضعف الاستثمار طويل الأمد، ويتحول المجتمع إلى فضاءٍ تتحرك فيه المصالح المرتبطة بالأزمة لا تلك التي تسعى إلى تجاوزها.
ويتقاطع مع هذا الواقع تحالف المال والسلاح، حيث تندمج القوة الاقتصادية بالقوة القسرية، وتتشكل شبكات نفوذ تجمع بين من يملكون الثروة ومن يملكون القدرة على فرضها بالقوة، وفي مثل هذه البنى، لا تقوم الثروة على الإنتاج بقدر ما تقوم على السيطرة والاحتكار والامتيازات، فتتحول الموارد العامة إلى أدوات للنفوذ، وتُعاد صياغة الاقتصاد على أسس ريعية تهمش العمل المنتج وتضعف فرص التنمية الحقيقية، ومع الوقت، يصبح الوصول إلى الثروة مرتبطاً بالقرب من مراكز القوة لا بالكفاءة أو الجهد، وتتسع المسافة بين الاقتصاد الرسمي والاقتصاد الفعلي الذي تحكمه شبكات النفوذ.
ويرتبط بذلك الفساد الريعي الذي يقوم على توزيع المنافع والموارد عبر شبكات الولاء والقرابة والنفوذ، لا عبر معايير العمل والكفاءة والإنتاج. وفي ظل هذا النمط، تتراجع قيمة الجهد المنتج، ويصعد دور الوساطة والامتياز، ويتحول الوصول إلى الثروة إلى مسألة موقع داخل منظومة النفوذ لا نتيجة مساهمة فعلية في الاقتصاد، ويؤدي ذلك إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات، وتعميق الفوارق الاجتماعية، وإغلاق الأفق أمام الفئات التي تعتمد على العمل المنتج، ويخلق شعوراً عاماً بأن النظام الاجتماعي لا يكافئ الجهد بل يعيد توزيع الفرص على أساس القرب من السلطة.
كما يندرج ضمن هذه البنية الاحتكار التجاري الذي يتركز في أيدي قلة قادرة على التحكم في السلع والأسعار وشبكات التوزيع، بما يقيد السوق ويضر بالمستهلكين ويقوض فرص المنافسة العادلة، ولا يقتصر أثر هذا الاحتكار على الجانب الاقتصادي، بل يمتد ليشكل نفوذاً اجتماعياً وسياسياً ينعكس في التأثير على القرار العام وتوجيه السياسات بما يحفظ المصالح الضيقة. ومع ترسخ الاحتكار، يصبح الاقتصاد أقل قدرة على الابتكار والإنتاج، وأكثر خضوعاً لمراكز محدودة تتحكم في حركة السوق وتوجهاته.
إلى جانب ذلك، تلعب الزعامات التقليدية القبلية والعشائرية والدينية دوراً مؤثراً في حماية بنى الامتياز القائمة، خاصة حين ترتبط مصالحها باستمرار الأوضاع التي تضمن لها النفوذ والسلطة، وحين تمتلك هذه الزعامات أدوات قسرية أو شبكات ولاء قوية، فإنها تصبح جزءاً من منظومة تعيد إنتاج الواقع المتخلف وتقاوم أي تغيير يمس مواقعها أو امتيازاتها، ولا يكمن أثرها فقط في المجال السياسي، بل يمتد إلى تشكيل الوعي الاجتماعي، حين تُقدَّم العلاقات التقليدية بديلاً عن المواطنة، ويُقدَّم الولاء الشخصي بديلاً عن القانون، وتُعطَّل إمكانيات بناء مؤسسات حديثة قائمة على الكفاءة والمساءلة.
كما تسهم الخطابات التي تبرر هذا الواقع في تثبيته، سواء عبر تبرير الامتيازات القائمة، أو تصوير التغيير بوصفه تهديداً، أو إعادة إنتاج مفاهيم تشرعن التفاوت وتمنحه غطاءً أخلاقياً أو اجتماعياً؛ فهذه الخطابات، حين تتقاطع مع المصالح الاقتصادية والقوة القسرية، تتحول إلى جزء من البنية التي تحمي الواقع القائم وتمنع مساءلته.
بهذا المعنى فإن خصم التقدم الاجتماعي ليس كياناً واحداً يمكن اختزاله في تسمية بسيطة، ولا شخصاً بعينه، بل منظومة متداخلة من اقتصاد الحرب، والفساد الريعي، وتحالف المال والسلاح، والاحتكار، والامتيازات التقليدية، والخطابات التي تبرر بقاءها. وهذه المنظومة، بما تحمله من مصالح متشابكة، تمثل العائق الأكبر أمام بناء دولة مستقرة واقتصاد منتج ومجتمع قادر على التقدم، لأنها تقوم على إعادة إنتاج الفوضى والتفاوت بدلاً من تجاوزه، وعلى تحويل الموارد إلى أدوات نفوذ بدلاً من أن تكون أساساً للتنمية، وعلى تثبيت موازين قوى تمنع المجتمع من التحرك نحو مستقبل أكثر عدلاً وتنظيماً واستقراراً.










المصدر أنس القاضي
زيارة جميع مقالات: أنس القاضي