«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 122
- مروان ناصح الأحد , 17 مـايـو , 2026 الساعة 12:21:52 AM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
بائع غزل البنات.. شاعر السكر والبهجة الملونة
حين يُنسَج الفرح من خيوطٍ من ضوء في الزوايا المضيئة من الأسواق والأحياء الشعبية، حيث تختلط الروائح بالحكايات، يقف بائع غزل البنات كعازفٍ على وتر البهجة، يدير عصاه الملوّنة فيصنع من السكر حلماً صغيراً، يدور على أصابع الأطفال.
هو شاعر السكر وملهم الضحكات، يلوّح بعصاه كما يلوّح رسامٌ بفرشاته، فيرسم من الهشاشة حلاوةً، ومن البخار لوناً، ومن لحظة عابرة ذكرى لا تزول.
أقمارٌ من الحلوى تدور في
فضاء السوق والحارة
عصاه الخشبية الطويلة تلمع بخيوط ألوان الطيف. ويداه الموشومتان ببخار السكر، تدوران بخفّةٍ ساحرة، تحوّلان السكر إلى دوائر متألقة كالأقمار.
الأطفال يحدّقون مبهورين. والبالغون يبتسمون في صمتٍ طفوليّ، كأنّ الزمن توقّف ليستمع إلى أغنيةٍ من الضوء، تخرج من آلةٍ صدئة وروحٍ لا تصدأ.
لحن الألوان في الأزقّة
صوت البائع يرتفع بين الحارات كأنّه نداء مهرجان: أحمر، أزرق، وردي... تعالوا يا أولاد، دوائر السعادة بين أياديكم!
كلماته تتطاير فوق الأرصفة مثل وريقات الربيع، فتتبسّم النوافذ، ويحنّ الحجر إلى ضحكةٍ قديمة، كأن المدينة بأكملها تستعيد طفولتها كلما دار السكر في الهواء.
حين تتحوّل المهنة إلى فنّ
يمسك بخيط السكر كمن يمسك بخيط القصيدة، ينسجه بدقّةٍ وحنان، كرسّامٍ يضع لمساته الأخيرة على لوحةٍ من الغيم.
كل لفّةٍ من يده بيتٌ من الشعر. وكل قطعةٍ تُباع تحمل نَفَساً من سعادة.
في عالمه الصغير، تباع البهجة بالقرش وتشترى بابتسامة، فالفرح أرخص ما يكون حين يُقدَّم بحب.
ذاكرة الأسواق وروح المواسم
وراء ابتسامته، عمرٌ طويل من الأعياد والمواسم، من أصوات الباعة وصياح الأطفال، من روائح الخبز الطازج والفواكه المعروضة على الأرصفة.
يعرف متى يرفع صوته، ومتى يصمت، ومتى يُلقي بخيطه في الريح ليصطاد دهشة طفل.
هو لا يبيع الحلوى فحسب، بل يوزّع ذكريات جاهزة على العيون.
جسرٌ من السكر بين الطفولة والنضج
حين يتوقف الكبار أمام عربته، يكتشفون أن خيوط السكر ليست مجرد حلوى، بل خيوط ذاكرة تمتدّ بين الماضي والحاضر.
صوته الذي يدوّي هو موسيقى الحنين، يحملهم إلى زمنٍ كانوا فيه يركضون حفاة وراء البهجة.
إنه صانع الجسر بين الطفولة التي كانت، والنضج الذي ما زال يذكرها.
حين قاوم البائع غزو الآلة
دخلت المكنات والمنتجات الجاهزة؛ لكن بائع غزل البنات ظلّ يدور بآلةٍ يدويةٍ عتيقة، كمن يدافع عن آخر قلاع الطفولة.
يده تدور بالحب لا بالروتين، وابتسامته تتقد بالشغف لا بالعَرض التجاري.
في زمنٍ يُباع فيه كل شيء، ظلّ هو يمنح الفرح مجاناً مع كل قطعةٍ يبيعها.
الخاتمة.. سحر البساطة الذي لا يزول
يبقى غزل البنات رمزاً للبساطة التي تهزم التعقيد، وللفرح الذي لا يحتاج إلا لروحٍ تُصدّق ما تصنع.
ويبقى بائع غزل البنات شاهداً على زمنٍ كان الفرح فيه يُنسَج من لا شيء، من خيطٍ من سكرٍ ومن قلبٍ من ذهب، ليشرق في ابتسامة طفل.










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح