مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الخياط.. حارس الأناقة ورفيق الأيام
كان الخياط في الزمن الجميل يشبه من يُصلّي بإبرة.
ينسج من خيوط الأيام أناقةً لا تنطفئ، ويحوّل القماش الجامد إلى حياةٍ نابضة بالدفء.
لم يكن عمله صناعةً فحسب، بل طقسًا من طقوس الصبر، واحتفالًا صامتًا بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع الفرح.
وفي زاوية دكانه، بين طقطقة الماكينة ورائحة القماش، كان الزمن يتمشى على مهلٍ.. كأنه يخاف أن يُفسد الحلم.

دكان أوسع من الحارة
دكان الخياط الصغير كان أكبر من الحارة التي يطلّ عليها.
كل قطعة قماش فيه تحمل حكاية، وكل بكرة خيط تحفظ سيرة صاحبها.
هناك، لا تسمع ضجيجًا، بل همس الحياة وهي تُخاط من جديد.
يجلس الرجل على مقعده الخشبي المتعب، يُدير الماكينة برجله، فتدور الأيام كما تدور البكرة.
كانت الماكينة امتدادًا لقلبه، تئنّ حين يتعب، وتغني حين يفرح، كأن بينهما حوارًا صامتًا لا يسمعه إلا هو.

علاقة الجسد بالآلة
تتأرجح قدمه على الدوّاسة بإيقاعٍ منتظم، كنبضٍ يحافظ على توازن العالم.
ظهره منحنٍ على الماكينة، لكنه لا ينحني خضوعًا، بل حبًّا، كما ينحني العابد على محرابه.
كل غرزة خيط كانت وعدًا جديدًا بالاستمرار.
كانت الماكينة أنثاه الصامتة، تطيعه دون أن تملّ، لكنه يشعر أن داخلها روحًا تستجيب لمزاجه: إذا ضاق صدره، تعثّر الخيط، وإذا سرّته زيارة زبونٍ قديم، غنّت الماكينة بنغمةٍ أطول وأصفى.

الخياط قارئ القماش والقلوب
حين يلمس القماش، يعرف إن كان صاحبه غنيًّا أو بسيطًا، حزينًا أو عاشقًا.
أصابعه التي تألف الخيط تعرف ما لا تعرفه الكلمات.
حين يقيس الخصر يدرك كم حاصرت الحياة صاحبه، وحين يقيس الكتفين يشعر بثقل الأيام عليهما.
كان يعرف من شكل اليد إن كانت تعرف التعب أو الترف، ومن طريقة الجلوس إن كان صاحبها واثقًا أم مكسور الجناح.
كان يقيس الإنسان كلّه، لا مجرد أطوالٍ وعروض.
لم يكن الخياط مجرّد مهنيٍّ، بل كاهنٌ للوجوه العابرة، يترجم صمتها إلى خيوطٍ متشابكة، ويحوّل تعبها إلى أناقةٍ تليق بالكرامة.

بين الزبون والمرآة
كان الزبون حين يقف أمام المرآة في دكانه، لا يرى نفسه فحسب، بل يرى ظلّ الخياط خلفه، مبتسمًا كمن شارك في صناعة روحه الجديدة.
هناك، لا يُقال "هذا المقاس مناسب"، بل يُقال "الروح ارتاحت".
كان الخياط يعرف أن الثوب الجميل لا يُجمّل الجسد فحسب، بل يُعيد إليه ثقته، يُعيده إلى نفسه التي نسيها في زحمة الحياة.

المفارقة بين الأمس واليوم
في ذلك الزمن، كان الإنسان ينتظر ثوبه كما ينتظر فرحًا مؤجلًا.
أما اليوم، فقد صار كل شيء جاهزًا: الثوب، والطعام، وحتى المشاعر.
الماكينة التي كانت تعمل بإيقاع القدم أصبحت تعمل بالكهرباء، لكنّها فقدت قلبها. لم يعد أحد ينحني على القماش بحبّ، ولا يعرق ليخيط بهجة صغيرة.
الخياط القديم كان يصنع الأناقة من الصبر، أما مصانع اليوم فتصنعها من ضجيجٍ باردٍ لا رائحة له.

الماكينة.. مرآة الروح
حين يغيب الزبائن، يجلس الخياط وحيدًا، يداعب الماكينة كما يداعب الأب رأس طفله النائم.
يحرّك الدوّاسة ببطء، فتتنفس الماكينة كصدرٍ عجوزٍ لا يزال يصرّ على الحياة.
بينه وبينها سرّ قديم: كلاهما أنهكهما الزمن، لكنهما يرفضان التقاعد عن الجمال.
في صوتها المتقطّع يسمع دقات قلبه، وفي حركتها البطيئة يرى نفسه وهو يقاوم النسيان بخيطٍ وإبرةٍ وإيمانٍ عنيد.

خاتمة
فهل كان الزمن جميلاً حقًا؟
ربما لم يكن بلا وجع، لكنه كان مليئًا بالمعنى.
كان الإنسان فيه أقرب إلى عمله، وإلى نفسه.
كان الخياط يترك في كل ثوبٍ شيئًا من روحه، لذلك كانت الأثواب تدوم طويلاً، كما تدوم الذكريات التي تُخاط بالصدق.
أما اليوم، فنرتدي السرعة، ونتعرّى من الدفء الإنساني.
نملك الماكينات الأحدث، لكننا خسرنا الصوت القديم الذي كان يهمس في كل غرزة: "اصبر.. فالجمال كالحب لا ينضج إلّا على نار هادئة"!

أترك تعليقاً

التعليقات