مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
حكـــايـــة قلـــب بايـــع الكتــب الحلقة 
في طفولتنا، تمرّ لحظات صغيرة كنسيمٍ على وجه بحيرة؛ لكنها تترك في القلب دوائرَ لا تزول.
من تلك اللحظات، تظل لحظة شراء أول كتابٍ -بمصروفك الشخصي- وشماً خفيّاً في الذاكرة.
إنها ليست صفقةً نقدية، بل بيعةُ قلبٍ للمعرفة، إعلانُ ولاءٍ صامتٍ لعالَمٍ سيُصبح وطنك السريّ فيما بعد.
في تلك اللحظة، لن تكون طفلاً بعد اليوم، بل مسافراً في دروب الحروف.
المصروف الذي لم يُبعثر على الحلوى: كان رفاقي ينفقون مصروفهم على السكاكر والكرات الصغيرة وأقلامٍ تفوح برائحة الفواكه.
أما أنا، فقد خبّأتُ نقودي في درجٍ خشبيٍّ صغير، كل يومٍ أضيف قطعةً نقديةً؛ كأنني أزرع نيةً جديدة في حقل الحلم.
كنت أسمع نداء الأكشاك من بعيد، وتلوّح لي الحلوى كغوايةٍ سكريةٍ قصيرة العمر؛ لكن شيئاً في داخلي كان يهمس لي كأبٍ حكيم: "الحلوى تنتهي، والكتاب يبقى!
هكذا بدأتُ أفهم أن لذّة العقل أطول عمراً من لذّة اللسان.

بعينٍ تلمع كقطرة فضة
حين اكتمل المبلغ، سرتُ إلى المكتبة كمن يمشي إلى قدسٍ من الورق.
رائحة الورق كانت كالعطر الأول للحلم.
لمست الأغلفة بإصبعٍ خائفٍ وولهانٍ في آنٍ واحد... ثم وقعت عيناي على كتابٍ صغيرٍ بعنوان "قصص من عالم الحيوان".
لم يكن مجفرد عنوانٍ، بل بوابةً إلى براري الروح، حيث الحكمة تتنكر في فراء الأسد، والموعظة تختبئ تحت جناح العصفور.

المفاوضات الكبرى..
مع بائعٍ يشبه الحكمة
اقتربتُ من البائع بخطى مترددة. مددتُ إليه النقود كمن يقدّم قرباناً.
عدّها بهدوءٍ يشبه ترتيل الصلوات، ثم رفع نظره إليّ مبتسماً: "أول كتاب؟!".
هززتُ رأسي خجلاً، فقال بصوتٍ فيه دفء الأبوة ونبرة العارفين: "اقرأه حتى الصفحة الأخيرة؛ فالكتب تغضب إن هجرتها في المنتصف".
وصية بسيطة؛ لكنها حفرت طريقاً من الضوء في ذاكرتي.
من يومها، لم أترك كتاباً دون أن أُصافحه إلى آخر سطر.

الرفيق الذي لا ينام
في الأيام التالية، صار الكتاب جزءاً من أنفاسي.
قرأته في باحة المدرسة، وتحت عمود النور في الشارع، وعلى حافة النوم...
كنت أعود لبعض الصفحات كما يعود المحبّ إلى رسالةٍ قديمة.
تعلّمت أن كل قصةٍ نافذة، وأن كل صفحةٍ جناح، وأن من يقرأ لا يبقى في مكانه أبداً.
في عالم الكلمات، كنت أكتشف أن للورق صوتاً، وأن الحيوانات في القصص ليست إلا وجوهاً أخرى لنا نحن البشر.

أثر الكتاب الأول..
العطر لا ينسى
مضت سنوات، وتغيّر الورق والحبر؛ لكن رائحة ذلك الكتاب لا تزال تقيم في أنف ذاكرتي.
كان أول مرآةٍ أطلّ منها على نفسي، وأول جسرٍ أعبره إلى عالمٍ لا يترهل فيه الخيال.
علّمني أن الكلمة التي تُقرأ من القلب تُصبح جزءاً من نبضه، وأن المعرفة ليست رفاهية، بل خلاصٌ من العابر والزائل.
منذ ذلك اليوم، تغيّر وجه مصروفي؛ صار طريقاً إلى المكتبة بدل المخبز، وإلى الحلم بدل العادة.

أول وطنٍ خارج البيت
ذلك الكتاب لم يكن أوراقاً، بل بيتاً من دفءٍ ودهشة.
كنت كلما فتحته شعرت أنني أدخل غرفةً لا يشبهني فيها أحد.
كنت أجد فيه أماناً لا يُمنح، وصحبةً لا تطلب شيئاً.
لقد كان أول وطنٍ اخترته بيدي، وطناً من الورق والروح والحلم.
ومنذ تلك اللحظة، صرت أعيش في أكثر من مكانٍ، دون أن أبرح مكاني.

الزمن الجميل..
أم القلب الجميل؟
يهمس سؤالٌ في داخلي: هل كان الزمن جميلاً حقاً؟
أم أن قلوبنا كانت شفافةً بما يكفي لترى الجمال في كل ما حولها؟
ربما لم يكن الزمن جميلاً؛ لكننا كنا أجمل؛ لأننا كنّا نرى في أبسط الأشياء معنى الاكتفاء، وفي كتابٍ صغيرٍ رفرفة السعادة.

خاتمة
أشتري اليوم كتباً كثيرة من معارض لامعة ورفوفٍ فخمة؛ لكن لا كتاب يشبه ذاك الذي اشتريته بيدي الصغيرة، ولا رائحة تضاهي رائحة الورق الذي علّمني أن للحلم قيمة، وأن كل الكتب التي مرّت بعده كانت امتداداً لظله، وأنك إذا امتلكت كتابك الأول فقد امتلكت باباً لا ينغلق حتى آخر العمر.

أترك تعليقاً

التعليقات