محمد القيرعي

محمد القيرعي / لا ميديا -
منذ الصعود الأول لدونالد ترامب إلى سدة السلطة في إمبراطورية «اليانكي» إبان ولايته الأولى عام 2016، تحول البيت الأبيض مذاك إلى ما يشبه الإدارة التنفيذية التابعة للبلاط الملكي السعودي، والذي شكل المحطة الأولى لزياراته الخارجية التي أعقبت تسلمه السلطة مباشرة في 20 كانون الثاني/ يناير 2016، إذ أسهم وعقب وصوله الرياض آنذاك وبشكل مباشر في هندسة وتنفيذ بنود الانقلاب السلطوي السافر الذي قاده الملك سلمان وفتاه المدلل (محمد بن سلمان) ضد باقي أفراد العائلة المالكة السعودية، الذين اختفى العديد من رموزهم، على غرار ولي العهد الأسبق محمد بن نايف، فيما أودع آخرون سجون النظام، ونفي أو فر البعض الآخر خارج البلاد.
بالإضافة إلى ذلك، دشن المشاركة الأمريكية السافرة التي كانت مبطنة ومخفية حتى ذلك الوقت في العدوان الدولي الفاشي البربري الذي تقوده الرياض على شعبنا وبلادنا، من خلال تقديمه العلني لكل أشكال الدعم والتسهيلات التقنية والعسكرية والمعلوماتية واللوجستية الحربية للرياض وحلفائها.
عدا عن ذلك، مباشرته مع صنيعتهم (نتنياهو في أورشليم) تدشين الانقلاب الأمني والدبلوماسي ضد الشقيقة إيران، عبر إعلان ترامب غير القانوني وغير المبرر أصلاً، انسحاب بلاده من الاتفاق النووي المبرم مع إيران في عهد سلفه باراك أوباما (اتفاق الخمسة + واحد)، والذي نص في بعض بنوده آنذاك على فك أو تخفيف الحصار المالي والاقتصادي والتقني الدولي الموجه ضد إيران وشعبها الأبي.
وكله من أجل عيون ابن سلمان وابن زايد في المقام الأول، وبغية إعادة العجلة العدائية والتآمرية الاستهدافية ضد إيران وشعبها الصامد والمقاوم إلى مربعها الأول، بما تخللهما آنذاك من استهداف للرموز القيادية الإيرانية، على غرار استهدافهم الغادر والوضيع للشهيد قاسم سليماني، وما تلاه من تصفية غادرة وجبانة لعدد من علماء الذرة الإيرانيين ولبعض مشاريعها النووية الحيوية والحساسة.
وبالطبع، ومع خسارة دونالد ترامب الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2020 أمام المرشح الديمقراطي جو بايدن، والتي حلت نتائجها آنذاك كالكارثة على كلٍّ من ابن سلمان وابن زايد وشقيقهما الثالث بالدين والهوية بنيامين نتنياهو، بالنظر إلى اشتراك ثلاثتهم حتى بالتوأمة الاسمية، حيث تبدأ أسماؤهم جميعاً بـ»بن» (بن سلمان، بن زايد، «بن يامين»)، الأمر الذي شكل لهم بمغادرة ترامب البيت الأبيض غير مأسوف عليه نوعاً من الإعاقة غير المحمودة للعديد من مشاريعهم التآمرية والاستهدافية ضد إيران وشعوب المنطقة الحرة والمقاومة، وبشكل منح ابن سلمان الحافز الكافي لتوسيع نطاق تحالفاته المخفية والمبطنة مع شقيقه الروحي (نتنياهو) في علاقة بدأت آنذاك بفقدان طابعها السري بشكل واضح على ضوء اللقاءات والاجتماعات الثنائية المتعددة التي جمعت الشقيقين (بن سلمان وبن يامين) داخل المملكة وخارجها أيضاً، بدءاً بالاجتماع التنسيقي الشهير وعالي المستوى الذي ضم في 22 نوفمبر 2020، وعقب بروز المؤشرات النهائية الحاسمة لنتائج الانتخابات الرئاسية التي بينت خسارة مولاهم ترامب السباق السلطوي مباشرة، كلاً من ابن سلمان وشقيقه الروحي «بن يامين نتنياهو» في مدينة نيوم السعودية المطلة على البحر الأحمر، والمحاذية جغرافياً لكيان «أورشليم»، والذي شارك فيه أيضاً نخبة مختارة من كبار قادة المؤسستين العسكرية والأمنية والاستخباراتية الصهيونية، على رأسهم يوسي كوهين، رئيس جهاز المخابرات الصهيونية «الموساد»، ما يوحي بالبعد التآمري المحموم الذي حكم وجهة ومسار ذاك اللقاء التنسيقي، الذي كان دافعه الأساس، بحسب تسريبات الصحافة الصهيونية والعالمية، إضافة إلى توسيع نطاق التحالف التآمري والعدواني المسعور ضد الأمة، كذلك تدارس النتائج المنبثقة والمتوقعة عن خسارة ترامب السلطة في البيت الأبيض، وتداعيات سياسة بايدن النقيضة على إمكانية الاستمرار المثمر في مشاريعهم التآمرية وبزخمها العدواني المسعور نفسه ضد إيران وباقي شعوب المنطقة الحرة والمقاومة، وعلى رأسها بلادنا المكلومة والمجني عليها.
اليوم، ما من شك في أن عودة المأفون دونالد ترامب إلى سدة السلطة في إمبراطورية «اليانكي» تم بتمويل سعودي - إماراتي صرف لحملته الانتخابية، التي تكللت في نوفمبر الفائت بعودته ظافراً إلى البيت الأبيض، لاستئناف الأجندة التآمرية والعدوانية المحمومة والمفتوحة ذاتها ضد إيران بصفة خاصة، وضد باقي شعوب المنطقة الحرة والمقاومة على وجه العموم.
ولتبدأ معه دورة العنف وعدم الاستقرار الإقليمي تطل مجدداً وبأبشع صورها، من خلال قيام الثنائي الصهيو-أمريكي خلال الأشهر الفائتة بشن حربهما العدوانية المسعورة وغير المبررة ضد إيران وشعبها الصامد والمرابط، انطلاقاً من أراضي ومياه مملكة الرذيلة السعودية وباقي ممالك ومشيخيات الخليج الفارسي، وبعض بلدان الرجعية العربية، وبصورة جاءت نتائجها مغايرة ومناقضة تماماً لتطلعات ابن سلمان وشقيقيه ابن زايد وبن يامين نتنياهو، الأمر الذي أعادهم ليس فحسب إلى مربع المواجهة الأول مع إيران وحلفائها في المحور المقاوم، وإنما أيضاً إلى وضعهم وممالكهم المتهالكة أمام جملة من الاستحقاقات الأمنية والاقتصادية والإقليمية الأكثر مشقة ووعورة من ذي قبل، والتي فرضتها نتائج الإخفاق المخزي والمهين الذي مني به مشروع العدوان الصهيوأمريكي في حرب عبثية صبت نتائجها بشكل واضح لا لبس فيه لمصلحة الطرف المستهدف (إيران) التي قويت شوكتها بالطبع، وشوكة حلفائها في المنطقة على وجه العموم، بالنظر إلى حجم النفوذ والهيمنة الإقليمية التي باتت تتمتع بهما إيران عقب الحرب العدوانية الأخيرة، والتي أسهمت من ناحية أخرى بتعزيز سيطرتها العسكرية والأمنية على أهم ممرات الملاحة الدولية (مضيقي هرمز وباب المندب) وبصورة سيتعين على الرياض وأبوظبي وباقي حلفائهما في منطقة الخليج الفارسي تحديداً تحمّل تبعاتها المضاعفة من الآن فصاعداً، وحتى أفولهم المتوقع والقريب من خارطة الأحداث في المنطقة وفي حاضر وتاريخ ومستقبل الأمة. وحتى يحين ذلك الوقت ما علينا سوى الانتظار والصلاة والترقب.

أترك تعليقاً

التعليقات