محمد القيرعي

محمد القيرعي / لا ميديا -
أنا على وشك المغادرة -ربما خلال الأسابيع القليلة القادمة- إلى قاهرة «المعز لدين الله السيسي»، لعلاج كبدي المتليف في مراحله المتقدمة والمميتة، بالإضافة إلى أورام السرطان الناشئة والمتمددة في أحشائي جنبا إلى جنب مع كل عفونة التاريخ وآثامه، وكأنّ المشيئة لم تكتفِ بأن ابتلتني منذ لحظات ميلادي الأولى بالعيش كـ«خادم» على هامش هذا المجتمع اليمني البربري المأزوم والغارق في إثنيته وعنصريته وتخلفه الحضاري حتى أخمص قدميه!
ومع يقيني شبه التام بأنها قد تكون رحلتي الأخيرة، ربما لدنو ميقات «عزرائيل» لاستضافتي لديه، والذي لا يفرّق عادة في مثل هذه الحالات ما بين قبيلي و«خادم»؛ إلا أن حظوظي في الآخرة، وفي حضرة الرب تحديداً، لن تكون هي الأخرى بأفضل حالاً مما كنت عليه هنا في الدنيا بمعية هؤلاء القبائل، نظراً لمشاكلي الكثر وبطابعها اللاهوتي البحت مع جماعة الآخرة؛ إلا أن ما يسوؤني حقا هو أنني سأغادر هذا العالم فيما لا تزال قيود النبذ والدونية العنصرية المقيتة تتدلى من أعناقي بالطريقة ذاتها التي ظلت عليها منذ ولوجي للدنيا في لحظات ميلادي الأولى.
إنها الصورة التي تجعل وجودنا عموماً معشر «الأخدام» في هذا البلد (كطبقة مقصية ومعذبة) القصة الأكثر إيلاماً في تاريخ الإنسانية المسلوبة والمعذبة، والوصمة الأكثر بعثاً للخجل والإدانة والتشويه لميراث أمة تصر إصراراً عجيباً على قهر واستبداد طائفة عرقية داخلة في تكوينها الاجتماعي والوطني بدواعي الحفاظ على إرثها القبلي المحنط والموبوء بكل عفونة التاريخ.
لقد كافحنا بضراوة، على مدى عقود زمنية فائتة، مدفوعين بالأمل واليقين بأن نتمكن يوما من تخطي تلك المستويات الساحقة من عدم المساواة التي تنهش آدميتنا المستلبة، حاضراً وماضياً وحتى مستقبلاً، بالنظر إلى غياب أية مؤشرات فعلية تدل على أن أجيالنا القادمة قد تحظى بما لم نحظَ به نحن من كرامة وعدالة ومساواة وفرص حقيقية للعيش الآمن والكريم. كافحنا لكي يكون لحياتنا معنى مبنيّ على قيم أخلاقية صلبة وراسخة تتيح لنا ولأجيالنا اللاحقة في أن نصبح جزءاً فاعلاً ومتكافئا في الجماعة؛ لكننا لم نحصد سوى المزيد من البغض والتعصب والكراهية والازدراء اللامتناهي لآدميتنا إلى الحد الذي يجعلني أتساءل دوما عما إذا كان هذا القبيلي الرث والمعتوه في بلادنا مخلوقاً حقاً على هيئة الرب ذاته أم على هيئة الشيطان... من يدري؟! خصوصاً وأن الأمر الأكثر إيلاما ومأساوية في هذا المنحى يكمن في أن أي «خادم» منا تبرز عليه علامات الفهم والمقاومة والذكاء الفطري يصبح منبوذاً ومستهدفاً في حالات كثر من جميع كتل القبائل الرثة والبهيمية، سواء كانوا مثقفين أم بدواً أم متنورين أم مؤدلجين، لا فرق؛ فـ«الخادم» المتنور يشكل من منظورهم تهديداً وجودياً لقيمهم وميراثهم الماضوي التفوقي، فالجميع توحدهم نزعاتهم الهمجية وحنينهم إلى جذورهم البهيمية؛ الأمر الذي يجعل إمكانية كسر وتخطي حواجز النبذ والكراهية العنصرية الموروثة والمتوارثة أمرا صعبا وربما مستحيلا، إن جاز التعبير، في مجتمع هرمي ماضوي مولع بالحروب والهيمنة، وفاقد لأبسط شروط الإيمان البديهي بالمساواة والسلام والعدالة المجتمعية، ما يعني أننا ننتمي إجمالا معشر «أخدام اليمن» لوطن ومجتمع لسنا ملزمين البتة بالولاء أو الحنين إليهما بالمطلق، لدرجة أنه لا يخامرني أي شعور البتة بالأسى حيال هذا المجتمع الغارق في أزماته وحروبه الداخلية المتعاقبة والتي لا تنتهي، جراء إخفاقه وإخفاق ساسته ومفكريه، إن وجدوا، طوال تاريخهم القومي المأزوم، في الحصول على إجابات شافية عن سبب بؤسهم وشقائهم وشقاء أجيالهم المتوالي، نظراً لافتقارهم في المقام الأول للقدر الكافي من التحضر والعقلانية والعلم الذي يؤهلهم لإدراك واستيعاب قيم ومبادئ ومضامين الحداثة الليبرالية الإنسانية المعاصرة بصورة مثلى وموضوعية، والتي يمكنهم -من خلالها فقط- ليس فحسب فهم ماضيهم وحاضرهم المتعثر، بقدر ما سيمكنهم في الوقت ذاته من إيجاد الحلول الموضوعية لأغلب، إذا لم نقل جل، معضلاتهم الاجتماعية والثقافية الشائكة والموروثة، كتلك المتعلقة بالاختلافات والتباينات المذهبية والدينية والعصبيات العشائرية والعنصرية وانعدام العدالة والمساواة الإنسانية والتمييز الجنسي والتخلف الحداثي عموما.
خلاصة القول هي أنني، وسواء رحلت عن اليمن أم عن عالمنا الدنيوي، فإن حنيني الفعلي وفي كلتا الحالتين سيكون محصورا فقط لأبناء جلدتي المهمشين، ولليالي الأنس والفرح و»البرع المخدماني» الصاخبة بكل عذوبة الدنيا والمتجددة دوما على إيقاع العزلة والدونية، فنحن معشر «الأخدام» بطبعنا مفتونون بمفردات اللذة والفرح الجماعي، حتى وإن كانت مصطنعة، وكأنها انتصار لشيء مقدس في حياتنا الضائعة، خصوصاً مع ذلك المزيج المبهج من الأغاني العدنية واللحجية ورقصات «الشرح» البلدي المختلطة، التي ابتدعها آباؤنا وأجدادنا على ما يبدو لتجنبنا ربما في تلك اللحظات العابرة والمسروقة من حياتنا عناء ومغبة الشعور بالانتماء العضوي لوطن ومجتمع نعيش في محيطهما حالة من الاغتراب التاريخي بدرجة بات يستحيل علينا إزاءها معشر «الأخدام» الشعور بأية نبضات حب أو غبطة أو ولاء حيالهما، مثلما يستحيل عليّ أنا أيضا -محمد القيرعي- وفي لحظات عمري المندثرة تعويض ما فاتني من ليالي الرقص والأنس و«البرع المخدماني» التي فوتها عمدا خلال عقود وسنوات كفاحي الفائتة التي أهدرتها عبثا على ما يبدو في سبيل تحقيق حلم لا يزال على حاله.

أترك تعليقاً

التعليقات