محمد القيرعي

محمد القيرعي / لا ميديا -
لم تكن مناطقنا المتنورة في الشمايتين والحجرية معتادة على جرائم القتل قبلا، كما لم تكن مألوفة لقاطنيها جرائم التقطع والحرابة، إلى أن حلت على المنطقة وأبنائها لعنة "إخوان الرذيلة"، جموع المطاوعة الذين حلوا عليها كالطاعون، بِشَرِّهِم وشرورهم وغيهم المستطير، إلى حد لا يكاد يمر معه يوم إلا وتسمع عن جريمة قتل هنا وجريمة تقطع هناك وعملية اغتيال هنا وازهاق روح شاب هناك...
لعل آخرها جريمة القتل الغامضة التي استهدفت، ليل الأحد قبل الفائت  29 كانون الثاني/ يناير 2023 بمنطقة المركز شماية، الشاب العشريني يوسف سعيد بحيش، الذي يعمل في محل لبيع الحلويات الشعبية، والذي عُثر عليه مشنوقا في سطح المبنى الذي يقع فيه محل عمله، وعلى جسده آثار ضرب وتعذيب وكدمات متفرقة تدل على الوحشية التي تعرض لها من قبل قاتليه قبل أن يلفظ أنفاسه.
اللافت في كل هذه الجرائم ليس فقط الغموض الذي يكتنف أغلبها، والذي تزيده مظاهر الفوضى والفساد والتخبط الأمني غموضا وتعقيدا، وإنما في تفاهة أسباب ومبررات حدوث أغلب تلك الجرائم المرتكبة التي يندى لها جبين الإنسانية، بحيث لم يعد في وسع أي شخص يعيش في مناطق سيطرة مرتزقة العدوان، وخصوصاً في نطاق مدينة ومديريات تعز المحتلة، السير آمناً إذا ما كان يحمل في جيبه مبلغ مائة ألف ريال قعيطي أو جهاز هاتف محمول أو حتى ساعة يد ثمينة!
فجلاوزة الإخوان قد أدوا دورهم في هذا الشأن على أكمل وجه، من خلال "بندقتهم" المجانية والسخية لجموع الشباب، وخصوصا فئة المجرمين والشواذ و"المقرمطين"، وإطلاقهم كالكلاب المسعورة لتنهش بدن المجتمع دون رحمة وكيفما شاءت، والعتب على "الحوثي" كما جرت العادة!!
وعموماً، يمكن القول بأن موجة الجرائم الجديدة التي شهدتها المنطقة مع بزوغ العام 2023، بدأت في أوائل كانون الثاني/ يناير الفائت، حينما تكشفت تفاصيل الجريمة المروعة التي هزت مدينة التربة وأهلها، والتي راح ضحيتها ابن زبيد المقيم في مدينة التربة، المغدور قاسم الزبيدي، والتي لم يكن لأجهزة الأمن أي دور إيجابي فيها، بعد أن ظل (الضحية) مختفيا قرابة أربعة أشهر كاملة قبل أن تنتهي التحريات الاجتماعية وعمليات البحث التي قام بها الأخ المواطن عبد الرحمن الشيول وقريبه الشيخ عبد الحبيب هزاع بكشف ملابسات الجريمة، عبر سعيهم الحثيث آنذاك لمعرفة مصير المختفي في الوقت الذي بذلت فيه أطراف أمنية نافذة جهودا جبارة لحرف بوصلة البحث عن مسارها الصحيح في سياق مساعيها لحماية القتلة، من خلال الإيحاء وعبر أكثر من وسيلة أمنية واستخبارية بأن الضحية قاسم الزبيدي معتقل من قبل "الحوثيين" في مدينة الصالح بتعز، علماً بأن المتهم الرئيسي في تلك الجريمة يعمل ضابطاً أمنياً في إدارة أمن الشمايتين.
هذا الأمر لم يوقفْ الأستاذ عبد الرحمن الشيول وقريبه عن التضحية بالجهد والمال والوقت حتى بلوغ الحقيقة، التي ما إن تكشفت تفاصيلها المروعة حتى كان "الشيول" ذاته وصاحبه على رأس المعتقلين على ذمة الجريمة ذاتها، جنباً إلى جنب مع مرتكبيها، من قبل جهابذة الأمن، الذين تهاوى ما تبقى من اعتبارهم أمام العامة، ليس فحسب على ضوء نجاح عبد الرحمن الشيول في تحقيق ما عجزوا عن فعله، وإنما أيضاً كشف ما جهدوا هم للتستر عليه أصلاً.
أما الواقعة الإجرامية الأخيرة التي راح ضحيتها عامل محل الحلويات لم يفلح الأمن كعادته في أداء دوره المفترض في كشف تفاصيلها وملابساتها ولا حتى في معرفة أسبابها وأدواتها وهوية مرتكبيها، بقدر ما عمد -كمؤسسة أمنية- إلى توسيع نطاق الجريمة ذاتها بجريمة أخرى معززة بطابعها القمعي المثير للاشمئزاز، من خلال قيام إدارة أمن الشمايتين بحملة اعتقالات موسعة طالت العشرات من أصحاب المحال المجاورة للمحل الذي يعمل فيه الضحية، بينهم حلاقون وبقالون وبائعو قات وعمال نظافة ومرتادو سوق، والزج بهم في أقبية الأمن، حيث خضعوا على مدى أسبوعين لشتى أشكال العسف والتعذيب النفسي والبدني والإيذاء، قبل أن يصل أشاوس الأمن إلى خلاصة فريدة من نوعها، مفادها أن اعتقال كل هؤلاء المواطنين المغضوب عليهم تم أساساً على خلفية إهمالهم في تركيب كاميرات مراقبة في محالهم وأماكن عملهم!
في النهاية، باشرت السلطات الأمنية دفن جثة القتيل دون الوصول إلى خلاصة منطقية في تحقيقاتها، ودون حتى الحصول على إذن السلطات القضائية لدفن الجثمان، فيما مصير المعتقلين الذين تحولوا بعد أسبوعين من الحجز والتعذيب، وبقدرة قادر من مشتبه بهم في جريمة جنائية مفترضة إلى مقصرين اجتماعيين في دعم المجهود الأمني، الذي يمكن رؤيته بوضوح من خلال حادثة سير وقعت الشهر الفائت وراح ضحيتها شاب في الخامسة عشرة من عمره، يدعى مهند أنور علي، وفيما كان والد ووالدة الشاب المتوفى يوقعان تنازلا فوريا وطوعيا وغير مشروط عن دم ابنهم، باعتبار أن ما حدث قضاء وقدر، كان أشاوس الأمن يعوقون أو يرفضون موضوع التنازل، الذي لم يصبح شرعيا وساري المفعول إلا بعد قبضهم مبلغ سبعمائة ألف ريال، كإتاوة وزعت هنا وهناك كما جرت العادة.
في النهاية، هؤلاء المقصرون الاجتماعيون الموقوفون على ذمة مقتل شاب المركز لا يزال أغلبهم رهن الاحتجاز الأمني في انتظار دفع ما يتوجب عليهم من إتاوات حددها أشاوس الأمن بمبلغ أربعمائة ألف ريال عن كل رأس، ومن تمكن منهم من دفع ما عليه فقد غادر غير مأسوف عليه، فيما ورثاء دم الزبيدي، ومعهم عبد الرحمن الشيول، يعيشون حالة من الفجيعة والكوابيس اليومية، تحسبا لاحتمالية خلاص القتلة من ورطتهم الجنائية تلك، وربما إمكانية هروبهم من معتقلهم الذي يعيشون فيه على طريقة الـ"خمسة نجوم"، بالنظر إلى مظاهر الرعاية والتعاطف العلني الذي يحظون به من قبل السلطات القضائية والأمنية المهيمنة في المنطقة بصبغتها الخونجية الصرفة، والعتب على "الحوثي" كما جرت العادة!!

الرئيس التنفيذي لحركة الدفاع  عن الأحرار السود في اليمن ـ  رئيس قطاع الحقوق والحريات  في الاتحاد الوطني للفئات المهمشة في اليمن.

أترك تعليقاً

التعليقات