زمن المرتزقة الذهبي!
 

محمد القيرعي

محمد القيرعي / لا ميديا -
باتت مصطلحات مثل "مرتزق" و"مرتزقة" و"ارتزاق سياسي"، كظاهرة هي الأكثر شيوعا ورواجا في الوقت الحاضر في محيط منطقتنا العربية والإسلامية، والمعضلة الأكثر تعقيدا أمام أمن واستقرار وتقدم وتطلعات شعوبنا العربية تحديدا.
وما يزيد الطين بلة في هذا الشأن ويسهم ربما في تعقيد هذه المعضلة بصورة أكثر ضراوة هي أنها، وكظاهرة دخيلة على قيمنا وتقاليدنا الدينية والأخلاقية والثورية، لم تخضع، أو لنقل مجازا، لم يجر حتى الآن دراستها على نحو علمي وممنهج لتبيان وتحليل واقع ومنشأ هذه القوى الموجودة في فلك العمالة والارتزاق وأسباب متاجرتها بآمال وتطلعات شعوبها، رغم أن جذورها كمعضلة معروفة بالطبع، حيث تبدأ وتنتهي في الخليج الفارسي، وفي أبوظبي والرياض تحديدا.
فالخليج هو منبع الرذيلة السياسية والقيمية، كما أن المرتزقة ليسوا تيارات سياسية ببرامج وطنية مضبوطة بقدر ما هم مجرد "شقات" مع الخارج ومع معتمري الدشداشات تحديدا من أمراء النفط الذين نجحوا ومن خلال دولاراتهم في تحويل الارتزاق إلى ظاهرة وطنية ومعترف بها على صعيد المجتمع الدولي، وفي تحويل المرتزقة ذاتهم من أدوات مشينة ومنبوذة على صعيد مجتمعاتهم المحلية والوطنية، إلى زعامات سياسية وقومية يحسب لها حساب في الداخل والخارج.
فالمرتزق وفق تعريف القانون الدولي الإنساني هو الشخص الذي يتم تجنيده من قبل طرف أو أطراف أخرى للقتال في بلد ما لصالحهم ويكون دافعه الأساسي للاشتراك في الأعمال العدائية هو الرغبة في تحقيق مغنم شخصي، فيما تعريف المرتزقة وفق ثقافتنا وتقاليدنا الاجتماعية والدينية ليسوا أكثر من مجرد أوغاد وخارجين عن القانون وطفيليات اجتماعية تعيش على حد السيف وتقف دوما على هامش التاريخ والمجتمع.
أما اليوم فعظُم شأنهم ليصبحوا قادة سياسيين ومتحدثين باسم شعوبهم وأوطانهم في مختلف المحافل الدولية، وأمر كهذا يعد بديهيا بالنظر إلى طفرة المد الرجعي المتنامي حيث مسألة العمالة باتت تكتسب أهمية خاصة سواء من الناحية النظرية أم من الناحية العملية السياسية.. بالصورة التي يمكن قياسها بوضوح من خلال تحليل واقع وطبيعة قوى الارتزاق الموجودة وطبيعة تحالفاتها في البلدان المكتوية بنارها، وتحديدا ليبيا والسودان وبلادنا الحبيبة اليمن.
فاللافت في هذا الشأن أن كل رموز الارتزاق في البلدان الثلاثة هم في الأساس نتاج لفساد أنظمة الحكم المندثرة في البلدان الثلاثة المعنية، فخليفة حفتر مثلا الذي يقاتل شعبه اليوم بثبات وضراوة لخدمة أجندة أسياده في الـ"سي آي إيه" وبتمويل سخي من أبناء زايد في أبوظبي، اقترن اسمه أواخر ثمانينيات القرن الفائت بسلسلة من الإخفاقات والهزائم العسكرية المريرة والمتوالية التي مني بها جيشه وبلاده على يد جيرانهم التشاديين خلال الصراع الحدودي بين البلدين (شريط أوزو)، حيث كان العقيد حفتر يشغل آنذاك منصب قائد الجيش الليبي في حرب كانت خاتمتها الانتكاسية بقيادة حفتر ذاته في معركة وادي الدوم التي أسفرت في مارس عام 1987 عن مقتل ما يربو على 6000 ضابط وجندي ليبي وأسر آلاف أخرى من بينهم حفتر ذاته الذي لجأ بعد قضائه فترة الأسر المخزي لدى التشاديين إلى إمبراطورية اليانكي (أمريكا) هربا من بطش عقيده الأعلى، ديكتاتور ليبيا الراحل معمر القذافي، ليعود اليوم وبعد قرابة ثلاثة عقود كاملة من العمل في المنفى ضد بلاده لصالح أسياده في الـ"سي آي إيه" معتمرا رتبة لواء وليعيث حربا وفسادا ضد شعبه وبلاده وفق البوصلة الإماراتية.
فيما أقرانه في السودان، محمد حمدان دقلو، المعروف بـ"حميدتي"، والعليمي في بلادنا، فكلاهما وإن اشتركا ببعض صفات النشأة الشخصية، حيث نشأ الأول كتاجر إبل، فيما رشاد بتاعنا نشأ كجزار بقر أساسا، وليس "جزار أوادم" كحاله اليوم، حيث تحول الأول (حميدتي) في ظل نظام البشير من تاجر إبل متجول إلى قاطع طريق أولاً، وأمير حرب ثانياً لخدمة نظام البشير الذي منحه من فوره رتبة عسكرية مجانية ورفيعة (رتبة فريق) رغم عدم صلته أو انتمائه حتى للمؤسسة العسكرية، وذلك لقاء خدماته المليشياوية في كبح جماح مناوئيه في دارفور وغيرها.
فيما العليمي المنحدر من عزلة الأعلوم، مديرية المعافر في حجرية تعز، والقادم من محيط أسرة يتوارث أفرادها مهنة الجزارة وبيع اللحوم، فقد لعب الحظ دوره حين هيأه للعمل كراهب في بلاط الرئيس الراحل صالح.. كانت مهمته الأساسية الإسهام في ضمان أمن النظام والتسبيح بحمد الرئيس القائد وشكر نعمه وفضائل حكمته، وذلك قبل أن يغير دينه كليا حينما أسهمت ظروف الديكتاتورية في إقصاء صالح من مشهد الحكم والسلطة في البلاد العام 2011، حيث تحول وفي سياق رهبنة النفاق السياسي من عبادة صالح إلى الإيمان المطلق بأسياده الجدد (هادي والرياض)، وبالتوراة الوليدة من رحم المبادرة الخليجية، لدرجة أنه ومع بدء شن العدوان على بلادنا كان رشاد العليمي على رأس قائمة محددي الأهداف العسكرية والمدنية التي استهدفها العدو بالضرب والتدمير، وبالشكل الذي أهّله ليصبح من أصحاب الحظوة الفعلية لدى البلاطين السعودي والإماراتي والخلف المختار لمثله الأعلى في الارتزاق (الأفندم هادي).
خلاصة القول، أنه من عسكري فاشل إلى مرتزق أول في ليبيا.. ومن تاجر إبل إلى مرتزق أول في السودان.. ومن جزار لحوم إلى مرتزق أول في اليمن، ما يعني أن الارتزاق كمهنة ليست محصورة بنوع اجتماعي معين، وإنما بالحظ والحظوة لدى صناع المرتزقة.

أترك تعليقاً

التعليقات