محمد القيرعي

محمد القيرعي / لا ميديا -
ما البراهين التي يحتاجها عملاء ومرتزقة العدوان (هادي والخونج والانتقالي) أكثر من تلك البائنة أمامهم ليدركوا أن أساس أزماتهم المتلاحقة ومبعث نكبات شعبنا وبلادنا بصفة عامة، مصدرها الرئيسي أسيادهم في تحالف العدوان وعلى رأسهم مهرجو السعودية وأبوظبي، وأنهم في النهاية سيخرجون صفر اليدين مكبلين بالعار والهزيمة، لأنهم لم يجلبوا لشعبهم سوى الجوع والفوضى والخراب والتفكك والانقسام... إلخ؟!
ألا تكفي انتفاضة الجياع المستعرة دون توقف في أغلب المدن والمحافظات الخاضعة لحكمهم، للفت نظرهم كسلطة أمر واقع صوب الحقائق التي لم تعد خافية حتى على جماهيرهم الخائرة والمتعبة والتي عبرت عن يقينها وبصوت مسموع خلال تظاهراتها المستمرة منذ الأسبوع الفائت بأن دول العدوان هي السبب الرئيس وراء بؤسها وجوعها وعثراتها وشقائها الذي لا ينتهي؟!
كيف يمكن للعملة الوطنية، على سبيل المثال، والتي لم تعد قابلة حتى للعد اليدوي في مناطق "الحوثيين" بسبب كثرة الشقوق والتمزقات التي تعتري أوراقها النقدية، أن تظل صامدة وقوية ومتماسكة وضامنة لأبسط شروط المعيشة الآمنة والمستقرة لمتداوليها رغم عنف وضراوة العدوان والحصار بكل ما شمله من وسائل وإجراءات دنيئة لتجفيف كل روافد الدخل المحتملة لـ"الحوثيين"، فيما العملة المتداولة في مناطق عملاء العدوان، والمسنودة كما هو مفترض بكل عنف وجبروت العدوان، لم تعد تساوي في الواقع حتى ثمن الورق الذي طبعت عليه إن جاز التعبير؟!
الإجابة بسيطة وواضحة على كل تلك الأسئلة بالطبع. ولعل أكثر من يدركها أيضاً هم عملاء ومرتزقة العدو (هادي وأعوانه وخصومه أيضاً في مربع العمالة) والذين باتوا عالقين في مجملهم وسط دوامة الخيانة التي لا فكاك منها، رغم مكابرتهم العلنية من خلال إصرارهم النمطي على الادعاء أن مهرجي الرياض وأبوظبي إنما جاؤوا كمحررين ومدفوعين بمشاعر العروبة المتقدة ليس إلا، في دلالة واضحة على عمق المأزق البنيوي والأخلاقي الذي يعتري موقف المرتزقة ومن والاهم.
وليس أدل على ذلك من ارتفاع معدلات الفقر وانتشار الجوع والعوز الاجتماعي، وتنامي معدلات الفوضى والعنف والجريمة، واتساع رقعة الاقتتال والتناحر الداخلي بين فصائل وتيارات عملاء التحالف المختلفة بولاءاتها المتعددة.
فدول تحالف العدوان لم تكتف منذ بداية عدوانها في مارس 2015 بضرب وتقويض كل أسس ومقومات الحياة المدنية والاقتصادية والتنموية والإنسانية لشعبنا المجني عليه، وذلك عبر استهدافها البربري للطرق والجسور والمدارس والمؤسسات الإنتاجية والمستشفيات والأسواق الشعبية ومحطات توليد الطاقة والأحياء السكنية والمنشآت الخدمية ورياض الأطفال... إلخ، بقدر ما عمدت في الوقت ذاته وعبر طرفي العدوان الرئيسيين (الرياض وأبوظبي) اللذين لم تعد المصالح القومية المشتركة تحكم دوافعهما العدوانية ضد بلادنا، كما يتضح حاليا من خلال حدة التنافس الاستحواذي على الأرض والثروات الناشبة بينهما، عمدا إلى خلق العديد من البؤر والتشكيلات المليشياوية العميلة والمتباينة في المواقف والاتجاهات فيما بينها، على غرار "الانتقالي الجنوبي" و"النخب" الشبوانية والحضرمية ومن يطلق عليهم "الطوارق" (نسبة لمليشيات طارق عفاش) والمتمركزين عموما في أهم مفاصل الساحلين: الشرقي والغربي، وجميعها تحمل ماركة أبوظبي التي ركزت في منحاها التآمري والتفكيكي ذاك على دعم واستنهاض النزعات الانفصالية والقومية الآخذة في النمو وسط انفصاليي الجنوب تحديدا، وذلك في مقابل قيام مهرجي الرياض من جهتهم بدعم وتمويل وإنشاء العديد من التكوينات والمليشيات الجهادية والتكفيرية، أبرزها -إلى جانب حزب الخونج سيئ الصيت وجماعات جنرال المافيا علي محسن الأحمر- تنظيمات القاعدة المتعددة، علاوة أيضاً على المجموعات والمليشيات التابعة للافندم هادي، والتي تعد في حقيقة الأمر الحلقة الأضعف بين جميع تلك التشكيلات المليشياوية المسلحة.
هذا الأمر وفر لدولتي العدوان الرئيستين (السعودية والإمارات) مواطئ قدم مهمة في مواضع الثروات الوطنية والممرات الاستراتيجية المهمة، مثل عدن وأغلب محافظات الحزام الجنوبي المحتل، إضافة إلى محافظة مأرب والتي تشكل إلى جانب محافظتي شبوة وحضرموت الشريان الاقتصادي والإيرادي الأهم لبلادنا.
وبما أن مصادر الثروة الوطنية تعد افتراضيا ومن الناحية العملية تحت سلطة نظام هادي العميل والمعترف به دوليا والذي من المفترض أيضاً أنه يحظى بدعم وتمويل أسياده الأثرياء في الرياض وأبوظبي، إلا أن الثابت تماما هو أن سعر العملة الوطنية المتداولة في مناطق حكم هادي لم تعد تساوي في الواقع نصف القدرة الشرائية لمثيلتها المتداولة في المناطق المحاصرة والمفتقرة في الوقت ذاته لأي مصادر دخل وإيراد محتملة، أي مناطق حكم "الحوثيين”.
ذلك أن الحاصل ومن خلال الإمعان بموضوعية فاحصة لمجريات الحياة الاقتصادية والمعيشية والإنمائية اليومية لقاطني المناطق والمحافظات المحتلة، يعطينا صورة مغايرة تماما لما ينبغي أن يكون عليه وضع تلك المناطق والمجتمعات المحلية، حيث الفقر والفاقة وانهيار مستويات المعيشة والخدمات العامة وتفشي الجريمة... إلخ، صورة تعكس بوضوح الهدف الحقيقي لدول العدوان، المتمثل في سرقة واستنزاف مصادر ثرواتنا الطبيعية من جهة أولى، وتجفيف كل مصادر الدخل المتاحة والمحتملة لنظام حكم هادي الدائر في فلكهم مع توجيه دعمهم الحقيقي في الوقت ذاته للقوى والمليشيات التابعة لها بهدف الإبقاء عليها حية ونشطة وقادرة مستقبلا على إنجاز فروضها التفكيكية، مقابل الموت السريري الحاصل والمتعمد لنظام هادي، وبما يفي ولا شك بإبقائه قيد الطاعة القسرية والإقامة الدائمة في البلاط الملكي السعودي، مجردا في الوقت ذاته من أي قدرة محتملة على التحرك المنفرد أو على اتخاذ القرار السياسي المستقل بالصورة السائدة حاليا.
فلا هو (أي هادي) قادر على بسط سلطته الفعلية على المناطق الخاضعة لحكمه كما هو مفترض، ولا هو قادر أيضاً على تحقيق أي إنجاز عسكري في حربه العبثية الموجهة ضد شعبه لتأكيد، دعونا لا نقل هنا شرعيته المزعومة، وإنما لتعزيز بقائه وطموحاته السلطوية، ولا هو قادر في الوقت ذاته على الفكاك من مخالب أسياده في تحالف العدوان للخلاص من مستنقع العمالة على الأقل.
ولعل الأمر الأكثر إثارة للسخرية والاشمئزاز في هذا الصدد يكمن وبشكل أساسي في ذلك الإصرار العبثي للأفندم هادي وأعوانه على تسويق أسياده في تحالف العدوان باعتبارهم محررين في الأصل، وليسوا غزاة، في تجاهل تام ومخزٍ ليس فحسب لتلك الحقائق الدامغة، وإنما أيضاً لحقيقة إدراكه ونظامه العميل أصلا أن أسياده من معتمري الدشداشات غير مبالين البتة ببقائه ولا بشرعية نظامه المزعومة، قدر حرصهم أولاً وأخيراً على ضمان مصالحهم القومية والمصالح الاستعمارية لأسيادهم في إمبراطوريتي اليانكي وأورشليم، و"طز" بهادي وبشعبه.

 الرئيس التنفيذي لحركة الدفاع عن الأحرار السود في اليمن ـ رئيس قطاع الحقوق والحريات في الاتحاد الوطني للفئات المهمشة في اليمن.

أترك تعليقاً

التعليقات