حكومة «التغيير والبناء»..بين استحقاق الصمود في خنادق الخدمة ومقصلة البيروقراطية والتردد والتخفي
- عبد الحافظ معجب الثلاثاء , 17 فـبـرايـر , 2026 الساعة 12:08:23 AM
- 0 تعليقات

عبد الحافظ معجب / لا ميديا -
لقد وُلدت حكومة «التغيير والبناء» من رحم مخاض عسير، وجاءت كاستجابة لضرورة ملحّة نادى بها قائد الثورة، السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي حفظه الله، في إطار التغيير الجذري، لتكون أداة الشعب في مواجهة تركة ثقيلة من الفشل المتراكم وإرث مدمر خلّفه عدوان غاشم لم يترك شبراً في هذا الوطن إلا وحاول انتزاع الروح منه عبر القصف المباشر أو الخنق الاقتصادي الممنهج. إن الإنصاف يقتضي منا أولاً أن ندرك حجم التحديات وسط الميدان الذي تتحرك فيه هذه الحكومة؛ فهي تعمل في ظل انعدام كامل للموارد السيادية التي لا يزال تحالف العدوان يضع يده عليها من نفط وغاز وموانئ، وتدير شؤون البلاد في ظل انقطاع الرواتب الذي يمثل أكبر تحدٍّ إنساني وإداري، ومع ذلك فقد قبل هؤلاء الوزراء التحدي وحملوا أرواحهم على أكفهم، وهو ما تجلى بوضوح في الحادثة الغادرة والأليمة التي استهدف فيها العدوان الأمريكي - «الإسرائيلي» اجتماعاً رسمياً للحكومة وسط العاصمة صنعاء، في محاولة بائسة لكسر إرادة الدولة وتعطيل عجلة البناء قبل انطلاقها.
ولم يكن مشهد القائم بأعمال رئيس الوزراء، العلامة المجاهد محمد مفتاح، وهو يخرج من بين الأنقاض والدخان ليعلن استمرار العمل ومواصلة خدمة الشعب، إلا تجسيداً حياً لروحية «القيادة»، التي لا تعرف الانكسار، إذ لم تثنِ الدماء والجراح هؤلاء المسؤولين عن العودة إلى مكاتبهم ليؤكدوا أن اليمن لا يُدار بالخوف، بل بالمسؤولية الأخلاقية والوطنية. وهذا الجانب المشرق من الصمود والتفاني والعمل تحت حد السيف هو ما يجعلنا نرفع القبعات إجلالاً لكل وزير ووكيل وموظف آثر البقاء في خندقه لتقديم الممكن من الخدمات في ظل مطار محاصر وميناء مستهدف وبنية تحتية تتعرض لغارات حاقدة تهدف لإعادة اليمن إلى عصور ما قبل الدولة.
لكن، وبرغم هذا الصمود الأسطوري، فإن الأمانة الصحفية والمسؤولية تجاه الشعب تحتم علينا أن نضع الإصبع على الجرح النازف في جسد الإدارة الحكومية. فما زالت البيروقراطية العقيمة والروتين القاتل هما الحاكم الحقيقي للموقف في الكثير من الدوائر الرسمية، وهو الأمر الذي حذّر منه السيد القائد مراراً وتكراراً، حين وصفه بالعبء الذي يجعل «يوم الدولة سنة» في عين المواطن المنهك. ورغم الخطوة الشجاعة في دمج الوزارات وتقليص الهياكل، إلا أن المشكلة الحقيقية لم تكن يوماً في التسميات، بل في العقول التي تدير هذه الهياكل، إذ نجد اليوم صنفين من الكوادر يعطلان مسيرة التغيير: صنفٌ انغمس بسرعة غريبة في أجواء البطانة الفاسدة والشللية التي ورثتها المؤسسات فأصبح يرى في الكرسي مغنماً لا مغرماً، وصنفٌ آخر من الكوادر الجديدة التي تتصف بـ»الأيادي المرتعشة»، إذ يسيطر على قراراتهم الخوف والتوجس من الوقوع في الخطأ أو الفساد، ما أدى إلى حالة من الشلل الإداري وتكدس الملفات وضياع مصالح الناس الذين يجدون أنفسهم يقضون أعمارهم ذهاباً وإياباً بين المكاتب دون حسم أو نتيجة تذكر.
ما نعانيه اليوم في بعض مفاصل الدولة لا علاقة له بشحة أو نقص في الإمكانات المادية، الذي يدرك الجميع أسبابه المرتبطة بالقرصنة الدولية على ثرواتنا المنهوبة؛ بل هو في المقام الأول تحدٍّ قيمي وإداري يتطلب شجاعة في المواجهة لا تقل عن شجاعة الأبطال المجاهدين في جبهات التصدي للعدوان. فمن غير المقبول إطلاقاً أن يتحول الوضع الأمني والاحترازات الضرورية إلى «قميص عثمان» يرتديه البعض للتنصل من واجباته اليومية، إذ تحول هؤلاء المسؤولون بفعل المبالغة في التخفي إلى أشباح لا يمكن الوصول إليهم بأي وسيلة، وأصبحت مكاتبهم خاوية تصفر فيها الرياح، بينما الملفات تئن في الأدراج المغلقة بانتظار توقيع قد لا يأتي قريباً. ويقيننا الراسخ أن الذي يخشى على حياته إلى حد تعطيل مصالح المستضعفين الذين لا يملكون وسيلة للوصول إليه، لا يستحق شرف الجلوس في منصب يمثل واجهة للدولة المجاهدة التي قدمت أعظم التضحيات. والأجدر بهؤلاء أن يعتزلوا العمل العام فوراً ويحتجبوا بعيداً عن مصالح الناس، التي لا تقبل التأجيل ولا تتحمل التردد. فالجمهور الذي يرى قيادته العليا تلتحم به في كل المناسبات وتتحدى الغارات الصهيونية والأمريكية، لا يمكن أن يقبل بمسؤول يختبئ خلف ستار السرية هرباً من المسؤولية تحت مبررات واهية تخدم العدو من حيث يشعر أو لا يشعر، خاصة وأن هذه المرحلة الاستثنائية لا تحتمل أنصاف الحلول أو الأيدي المرتعشة التي تخاف الحسم، وتُكدس المعاملات حتى تتحول الدوائر الرسمية إلى ثقب أسود يبتلع وقت وجهد وأعصاب المواطن، الذي يواجه رحلة عذاب يومية تستنزف ما تبقى لديه من طاقة وقدرة على الاحتمال في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة.
أمام هذا المشهد المؤسف تبرز فئة ممن استهوتهم الأضواء، وظنوا أن تلميع الذات عبر المنصات الإعلامية وتضخيم الإنجازات الورقية سيعوض النقص الفادح في الأداء الميداني، فغرقت شخصياتهم في فخ الأنا المتضخمة والظهور الاستعراضي، الذي يصور النجاحات الصغيرة والعادية وكأنها معجزات تاريخية غير مسبوقة، في حين أن العين البصيرة للقيادة وللمجتمع الذكي ترى الفرق بين الإنجاز الحقيقي الذي ينعكس في سهولة المعاملة وانخفاض كلفة الفساد والبيروقراطية، وبين الضجيج الإعلامي الفارغ الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. وعلى هؤلاء الواهمين أن يدركوا جيداً أن الأنا المتضخمة لديهم أصبحت مكشوفة وبارزة للأعمى فما بالكم بالقيادة التي تنظر بعيون متعددة ومبصرة لكل منها تقييمها الدقيق وتوصياتها الحاسمة، ولن تتردد في لحظة الحقيقة في اقتلاع كل من جعل من منصبه وسيلة للاستعلاء أو الاستثمار الشخصي أو الشهرة الزائفة، على حساب أوجاع الناس ومعاناتهم. فالمرحلة اليوم هي لاستكمال المسار الثوري، ولا مكان فيها لمن يقدس الكرسي أكثر من تقديسه لخدمة هذا الشعب المظلوم، الذي قدم قوافل من الشهداء لينعم بدولة خادمة لا بدولة تتسلط عليه أو تغرق في تعقيدات الروتين الممل الذي سبق وحذّر منه قائد الثورة مراراً واصفاً إياه بالمرض العضال الذي يجعل مؤسسات الدولة عبئاً ثقيلاً على كاهل المواطن بدلاً من أن تكون عوناً له في مواجهة تحديات الحياة والعدوان.
وفي ظل ما نعيشه من حرب نفسية وتشويهية واسعة النطاق تقودها دول العدوان لضرب القناعات الجمعية وزرع بذور اليأس في النفوس لإقناع الناس بأن لا جدوى من أي محاولة للبناء أو الإصلاح في ظل هذه الظروف الصعبة، تكمن المسؤولية الكبرى والمقدسة للحكومة وكوادرها، في كسر حاجز الصمت والجمود، والرد السريع والواعي على كل الشائعات التي تستهدف الجبهة الداخلية. فلا يجوز أبداً التعامل مع هذا الضخ الإعلامي المضلل بآذان من طين وأخرى من عجين، بل يجب التوضيح والتفنيد ووضع الحقائق المجردة أمام الجمهور أولاً بأول، حتى لا يُترك المواطن فريسة لسرديات العدو الخبيثة، التي تستغل الفراغ المعلوماتي وغياب الشفافية، لتمرير سمومها وهدم جسور الثقة بين الشعب وقيادته، مع العلم بأن الشفافية أمام الشعب هي أقوى سلاح نمتلكه في مواجهة العدوان الأمريكي - «الإسرائيلي» وأدواته الرخيصة. وكل مسؤول في موقعه يتخذ قراراً يمس حياة الناس ومعيشتهم أو يتعامل مع قضايا تمس المجتمع بشكل مباشر يجب أن يمتلك القدرة والشجاعة على تبرير قراراته وشرح أبعادها بوضوح ومصداقية تامة. فالجمهور الذي صمد أمام أعتى الأسلحة الفتاكة يمتلك وعياً سياسياً فطرياً كبيراً، وهو قادر على تفهُّم أشد الصعوبات، إذا ما وجد الصدق والوضوح والنزاهة في الخطاب والممارسة.
أما التخفي خلف المبررات الأمنية، أو الغياب عن ساحة المواجهة الإعلامية، فإنهما يمثلان الوقود الحقيقي الذي يغذي شائعات العدو، ويمنح المرجفين فرصة للنيل من عزيمة الناس وتضحياتهم. واليمن الذي يبني اليوم مستقبله من تحت الركام، وبدماء الشهداء الذين ارتقوا وهم يؤدون واجبهم في ميدان خدمة المجتمع، لن يسمح للمترددين أو الفاسدين أو المتاجرين بالأوجاع أن يعيقوا مسيرة التغيير والبناء، مهما بلغت التحديات، وستبقى تضحيات القادة دليلاً يرشدنا نحو الدولة القوية العادلة التي تليق بشعبنا وصموده الأسطوري. ومعركة البناء تتطلب رجالاً لا تهزهم الرياح، ولا تغريهم المناصب، ولا ترهبهم التهديدات، بل يضعون خدمة المواطن وتخفيف معاناته فوق كل اعتبار وفوق كل مصلحة ذاتية، ليبرهنوا للعالم أجمع أن اليمنيين أولو بأس شديد في الحرب، وبناة دولة وحضارة في زمن الصعاب. والفرصة لا تزال قائمة لكل مسؤول لمراجعة أدائه وتصحيح مساره والالتحام بهموم الشعب، قبل أن تأتي رياح التغيير لتقتلع كل من لم يستوعب دروس المرحلة، ولم يتشرّب روحية الجهاد والعطاء، التي هي سمة هذا الشعب وهويته الإيمانية الراسخة العصية على الانكسار أمام أي عدوان مهما بلغت قوته وغطرسته.










المصدر عبد الحافظ معجب
زيارة جميع مقالات: عبد الحافظ معجب