عبد الحافظ معجب

عبدالحافظ معجب / لا ميديا -
تحولت الحرب في صورتها المعاصرة من حدث استثنائي يقع بين دولتين على جبهة واضحة، إلى حالة دائمة من الاشتباك غير المعلن، تُدار فيها الصراعات عبر أدوات مركّبة تتجاوز السلاح التقليدي إلى استهداف البنية العميقة للدولة والمجتمع، هذا التحول لم يكن تطوراً عفوياً في طبيعة الصراع، بل نتيجة مسار فكري واستراتيجي طويل داخل مؤسسات القرار ومراكز الأبحاث في الولايات المتحدة، والغرب عموماً هدفه إعادة تعريف الحرب بما ينسجم مع متطلبات الهيمنة بأقل كلفة ممكنة.
في هذا السياق برزت الحرب التركيبية التي تدمج أنماطاً مختلفة من الصراع في عملية واحدة متزامنة بخصائص لا تفصل بين الحرب العسكرية والضغط الاقتصادي، ولا بين الإعلام والسياسة، ولا بين الداخل والخارج، وكل ساحة تُدار باعتبارها جزءاً من منظومة واحدة، تُفعَّل فيها الأدوات بحسب الحاجة، وتُضبط إيقاعاتها وفق تطور الاستجابة داخل الدولة المستهدفة، ليتحول الهدف من إسقاط الدولة بضربة قاصمة وشكل مباشر، إلى عملية إنهاك وإرباك يوصلها إلى استنزاف ذاتها من الداخل.
أحد المفاتيح النظرية لفهم هذا التحول يتمثل في كتابات "جوزيف ناي"، الذي أسّس لمفهوم "القوة الناعمة" وقدرتها على التأثير دون إكراه مباشر، ما قدّمه "ناي" يمثل رؤية عملية لاستخدام الجاذبية الثقافية، والخطاب القيمي، والمؤسسات العابرة للحدود، كوسائل ضغط استراتيجية، ولاحقاً تم دمج هذه الرؤية مع أدوات القوة الصلبة ضمن ما سُمّي بـ"القوة الذكية"، لتشكّل الأساس النظري للحروب التركيبية الحديثة.
تقوم هذه الحروب على فرضية مركزية مفادها أن المجتمعات مهما بدت متماسكة فهي تحمل في داخلها تناقضات اقتصادية واجتماعية وثقافية قابلة للتفعيل، ووظيفة الحرب التركيبية هي اكتشاف هذه التناقضات وتضخيمها وإعادة توجيهها سياسياً، ليصبح الإعلام الأداة الأساسية في القتال، والعملة والوضع الاقتصادي أقوى الأسلحة، والخطاب الحقوقي الوسيلة الأسهل للاختراق، ويتحوّل وعي الجمهور نفسه إلى ساحة الصراع الكبيرة الموازية للجبهة العسكرية.
مع اتساع رقعة الصراعات غير المتماثلة، دخلت مراكز الدراسات والأبحاث وشركات الاستشارات والمؤسسات الإعلامية الكبرى، ضمن عملية إنتاج الحرب وإدارتها، وجرى الانتقال من التفكير بالحرب كفعل تدميري مباشر، إلى إنتاجها كعملية طويلة الأمد تعيد تشكيل البيئة السياسية والاجتماعية للدولة المستهدفة، هذا التحول عبّرت عنه الأدبيات التي تناولت "الصراع منخفض الحدة" و"إدارة الفوضى"، حيث يصبح عدم الاستقرار بحد ذاته أداة من أدوات النفوذ.
أحد الأسماء التي ساهمت في بلورة هذا المسار هو برنارد لويس، الذي اعتبر أن المجتمعات غير الغربية مجرد كيانات قابلة للتفكيك من الداخل عبر استثمار الانقسامات التاريخية والهويات الفرعية، هذا الطرح وجد طريقه إلى التطبيق العملي عندما تم ربطه بالأدوات المعاصرة، مثل الإعلام العابر للحدود، وشبكات التمويل غير المباشر، والمنصات الرقمية القادرة على التأثير السريع في الرأي العام، لتصبح المعرفة الأكاديمية دليل عمل لتوجيه القرار السياسي.
الحرب التركيبية، تقوم على مبدأ التدرج والتراكم عبر سلسلة من الضغوط الصغيرة والمتزامنة التي قد تبدو في ظاهرها غير مترابطة، مثل أزمة اقتصادية هنا، وفضيحة إعلامية هناك، وتوتر اجتماعي في مكان آخر، وما يجمع هذه العناصر هو إدارتها ضمن سردية واحدة تُنتج شعوراً عاماً باليأس وفقدان السيطرة، وفي هذه اللحظة يصبح الشارع قابلاً للتوجيه، وتتحول المطالب المحقة إلى أدوات في صراع أكبر من أصحابها.
اللافت أن هذه التقنيات تستفيد من منطق "الإنكار المعقول"، فكل أداة يمكن تبريرها بخطاب قانوني أو أخلاقي، حيث يتم تقديم العقوبات باسم الشرعية الدولية، والحملات الإعلامية التشويهية باسم حرية التعبير، ودعم بعض العملاء المخربين باسم المجتمع المدني، هذا الغطاء يمنح الحرب التركيبية قدرة على الاستمرار من دون تحمّل كلفة سياسية مباشرة، ويجعل من مواجهتها تحدياً مركباً يتطلب فهماً عميقاً لطبيعتها، وعدم الاكتفاء بردود الفعل الجزئية أو الظرفية، أما الصمت والتجاهل الرسمي فهو مساهمة غير مباشرة في مساعدة القائمين على الحرب التركيبية لتحقيق أهدافهم.
يكتمل نموذج الحرب التركيبية عندما يُربط البعد النظري بالتطبيق العملي عبر أدوات تشغيل واضحة، قادرة على الانتقال من مرحلة التهيئة إلى مرحلة التفجير المنضبط، ولعبت الأدبيات التي تناولت "العمل اللاعنفي" دوراً يتجاوز التنظير الأكاديمي، لتتحول إلى كتيبات إجرائية تُستخدم في ميادين الصراع، يبرز هنا اسم جين شارب، الذي قدّم نماذج متعددة لأساليب المقاومة كأدوات للتغيير السياسي، لا تتوقف عند السياق الجيوسياسي الذي تُستخدم فيه، أو القوى التي تستثمر نتائجها.
ما يجعل هذه المقاربات جزءاً من الحرب التركيبية هو فصلها المتعمّد بين الفعل ونتائجه الاستراتيجية، الاحتجاجات والعصيان والإضراب والفوضى والتخريب، كلها تُقدَّم كأفعال مدنية مطلبية، بينما تُدمج عملياً ضمن مسار ضغط أوسع تُديره غرف عمليات سياسية وإعلامية، والهدف إعادة توجيه طاقة المجتمع الاحتجاجية نحو نقاط تصادم مع الدولة، في توقيتات محسوبة وبسقوف مطالب قابلة للتصعيد أو التجميد.
تتوزع ساحات الحرب التركيبية على مستويات متداخلة، الساحة الاقتصادية تُدار عبر الحصار الذي يتحكم بالتدفقات المالية، وسعر العملة، وسلاسل التوريد، أما الساحة الإعلامية تُستخدم لإنتاج سردية دائمة عن الفشل والفساد الداخلي والعجز، مع تضخيم الأخطاء وتجاهل السياقات وترهيب كل من يتحدث عن الإنجازات، ويأتي دور الساحة النفسية باستهداف المعنويات والثقة والهوية، عبر التشكيك بالمشروع والقيادة والثوابت، وإعادة تعريف العدو وتحويل الإحباط الفردي إلى شعور جمعي باللاجدوى، أما الساحة الرقمية فقد أصبحت مواقع التواصل المسرح الأوسع لكل هذه العمليات، لما توفره من سرعة وانتشار وصعوبة ضبط.
في مواجهة هذا النموذج يصبح الخطأ الأكبر هو التعامل مع كل أداة بمعزل عن الأخرى، فالحرب التركيبية لا تُواجَه بالإجراءات الأمنية فقط ولا بالإصلاحات الاقتصادية المعزولة ولا بالخطاب الإعلامي الدفاعي، بل تتطلب رؤية شاملة تُدرك أن الصراع يدور على الوعي والثقة، وفهم هذه الحرب هو الشرط الأول لأي مشروع صمود، لأن من لا يستطيع قراءة طبيعة المعركة سوف يُستنزف داخلها في الوقت الذي يظن فيه أنه يعالج أزماتها.

لم يكن لجوء الولايات المتحدة إلى ما عُرف لاحقاً بـ"الثورات الملوّنة" انعطافة مفاجئة في سلوكها السياسي، بل كان امتداداً منطقياً لتحوّل أعمق في إدارتها للصراع بعد انتهاء الحرب الباردة، مع تراجع الحاجة إلى المواجهة العسكرية المباشرة، برز سؤال مركزي داخل دوائر القرار، كيف يمكن إعادة تشكيل الأنظمة السياسية في الدول غير الخاضعة للهيمنة الغربية، من دون كلفة الاحتلال أو تبعات الحرب المفتوحة؟ الجواب جاء عبر الاستثمار في الداخل، دون الحاجة لاقتحامه من الخارج.
البدايات العملية لهذا المسار يمكن تتبعها منذ تسعينيات القرن الماضي، حين جرى اختبار أدوات "التغيير السلمي" في فضاءات ما بعد الاتحاد السوفياتي، في تلك المرحلة لم تكن الاحتجاجات تُقدَّم في إطار الصراع الدولي، بل كحراك شعبي عفوي ضد الفساد والاستبداد، غير أن القراءة المتأنية لتزامن هذه التحركات، وتشابه أدواتها وخطابها وحتى رموزها تكشف عن وجود قالب مُسبق الصنع، جرى تكييفه محلياً وفق خصوصية كل بلد.
ولعبت شبكات المنظمات غير الحكومية وبرامج "بناء القدرات"، دور الوسيط بين النظرية والتطبيق، وسيط لم يعد ينظر إلى الدولة المستهدفة كوحدة سياسية مستقلة، بل كساحة اختبار تُقاس فيها قابلية المجتمع للاستجابة وتُعدَّل الأدوات تبعاً للنتائج والمستجدات، إذ جرى تدريب نخب شبابية وإعلامية على تقنيات حشد الجمهور وإدارة التظاهر وصياغة الرسائل، مستندين إلى الأدبيات الغربية التي تروج لمفاهيم الانتقال الديمقراطي وحرية الرأي والتعبير وحق الشباب في التغيير، وغيرها من المفاهيم التي داست عليها الحكومات الغربية ولم تعترف بها داخل مجتمعاتها، خلال التظاهرات الطلابية والشعبية المنددة بمجازر الإبادة الصهيونية في غزة.
في مطلع الألفية الجديدة أُضيف البعد الاقتصادي كعنصر حاسم في عملية التثوير، لتتجاوز العقوبات والحصار والضغوط المالية وعرقلة التصدير ونهب الثروات، دورها في إضعاف الدولة إلى خلق بيئة اجتماعية مشحونة بالسخط، يصبح فيها الاحتجاج ضرورة معيشية قبل أن يكون موقفاً أو رأياً سياسياً، وعندما يتزامن الضغط الاقتصادي مع الخطاب الإعلامي التضليلي المكثف، يُعاد تقديم الأزمة في إطار الفشل والعجز الداخلي مع طمس متعمد لجميع العوامل الخارجية.
ومع اتساع نطاق التجربة لم تبقَ "الثورات الملوّنة" محصورة في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي، بل تحولت إلى نموذج قابل للتصدير والتكييف وبرزت حالات مثل جورجيا وأوكرانيا كانت بمثابة مختبرات متقدمة لهذا النمط من الصراع، حيث جرى الدمج بين الاحتجاج السياسي والدعم الإعلامي الدولي والضغط الدبلوماسي، لإنتاج تغيير في موازين السلطة من دون أي تدخل عسكري مباشر، القاسم المشترك في هذه التجارب لم يكن فقط الشعار الديمقراطي، بل وجود بنية دعم خارجية غربية تتابع التفاصيل وتدير الإيقاع وتوجه المسارات نحو الهدف.
في هذه المرحلة تطورت الأدوات من مجرد حشد الشارع إلى إدارة ما يمكن تسميته "اقتصاد الاحتجاج"، عندما رأت واشنطن أن دفع الناس إلى الساحات لم يعد كافياً، أصبح المطلوب إبقاء حالة التوتر قائمة عبر تغذية مستمرة للأزمات، وهنا تلعب المؤسسات المالية الدولية وسوق التصنيفات الائتمانية، دوراً مكملاً للعقوبات الأمريكية والغربية، ويتحول خفض تصنيف دولة ما، أو تجفيف قنوات التمويل، إلى رسالة سياسية تستخدم لإضعاف ثقة المجتمع بدولته ومستقبله القريب.
الإعلام بدوره شهد نقلة نوعية حيث لم يعد مقتصراً على القنوات الفضائية، بل انتقل بقوة إلى الفضاء الرقمي، الذي تُدار فيه المعارك السردية بالصور والمقاطع القصيرة والعناوين التحريضية والخطابات التعبوية، وجميعها تستخدم لتأطير الأحداث ضمن ثنائية مبسطة، شعب مقابل نظام وخير مقابل شر، هذا التبسيط المتعمّد يُقصي التعقيد ويمنع أي نقاش حول السياق الدولي أو المؤامرات الخارجية ما يسهل تعبئة الرأي العام داخلياً وخارجياً.
مع مرور الوقت أصبح واضحاً أن هذه الأدوات لا تُستخدم لإحداث التغيير السريع فحسب، بل لإبقاء الدول المستهدفة في حالة استنزاف سياسي دائم، حتى حين تفشل محاولات إسقاط النظام يبقى الأثر قائماً، فالاقتصاد مثقل والمجتمع منقسم والمشهد السياسي هش، هذا الوضع بحد ذاته يُعد نجاحاً نسبياً لأنه يحد من قدرة الدولة على لعب دور إقليمي أو دولي مستقل.
في العقد الأخير دخلت تقنيات التثوير مرحلة أكثر نضجاً وتعقيداً، حيث لم تعد تعتمد على سيناريوهات الاحتجاج الكلاسيكية وحدها، بل جرى دمجها ضمن نموذج أوسع من الحروب التركيبية يستثمر الأزمات البنيوية العالمية نفسها، فالأزمات المالية العالمية وجائحة "كوفيد" واضطرابات سلاسل الإمداد، كلها تحولت إلى فرص لإعادة تفعيل أدوات الضغط على الدول الرافضة للهيمنة الغربية، مع الحفاظ على خطاب إنساني أو تقني يموّه المؤامرة وأبعادها السياسية ومخططاتها التي تعمل دون توقف.
في وقتنا الحالي توسعت ساحات التطبيق لتشمل دولاً في أمريكا اللاتينية وغرب آسيا وأفريقيا، مع اختلاف في الأدوات وليس في الجوهر، وعلى سبيل المثال في فنزويلا، جرى الجمع بين العقوبات القصوى والحصار النفطي والحملات الإعلامية المكثفة لإنتاج حالة إنهاك اقتصادي طويل الأمد، ترافقت مع محاولات متكررة لتحريك الشارع أو فرض قيادات موازية، ولن تنتهي بالاعتداء على سيادة الوطنية واختطاف واعتقال ومحاكمة رئيس الدولة مادورو، ونهب ثروات الشعب تحت عناوين التحرير والعدالة وتطبيق القانون، وفي دول أخرى استخدمت الديون أو المساعدات المشروطة كوسيلة لإعادة تشكيل القرار السيادي من الداخل.
الجديد في هذه المرحلة هو الانتقال من إسقاط النظام كهدف مباشر إلى ما يسمى بإعادة ضبط السلوك كغاية مرحلية، يكفي أن تُدفع الدولة إلى الانكفاء أو إلى تقديم تنازلات استراتيجية أو إلى الانشغال بأزماتها الداخلية حتى تُعتبر العملية ناجحة، هذا الانتقال ينسجم مع مقاربات حديثة في الفكر الاستراتيجي الغربي ترى أن التحكم بالمسار أهم من التحكم بالنتيجة النهائية.
في المقابل كشفت هذه التجارب أيضاً حدود التقنيات المستخدمة، فالدول التي نجحت في تفكيك السردية المفروضة وفضح الترابط بين الضغط الاقتصادي والتحريض السياسي والإعلامي استطاعت تقليص أثر التثوير الموجّه، حتى وإن لم تتخلص من تكلفته بالشكل الكامل، فالوعي بطبيعة المعركة وتقديم خطاب وطني يربط بين المعاناة اليومية والسياق الدولي الأوسع، شكّل عاملاً حاسماً في منع تحويل السخط الشعبي إلى أداة يتحكم بها المشروع الخارجي للتدمير من الداخل.
وهكذا يمكن القول إن مسار "الثورات الملوّنة" والخنق الاقتصادي هو سلسلة من المحاولات التراكمية، التي تتكيف مع الفشل بقدر ما تستثمر في النجاح، وإدراك هذا المسار شرط أساسي لفهم ما يجري اليوم ولتفادي الوقوع في الفخ ذاته حين يُعاد إنتاج الأدوات نفسها بعناوين جديدة ووجوه مختلفة تحمل نفس المشروع التأمري والتدميري.

منذ اللحظة الأولى لقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية وُضعت الدولة الجديدة في مرمى مشروع متكامل من الحروب غير التقليدية، سبق أن جرى التنظير له داخل مراكز القرار في الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، قبل أن تتبلور أدواته التنفيذية تباعاً، حيث لم تُقرأ إيران في تلك المقاربة بصفتها خصماً عسكرياً لمحور الشر (الأمريكي -"الإسرائيلي")، بل باعتبارها حالة سياسية وثقافية واقتصادية تهدد منظومة الاستكبار والهيمنة عبر تقديم نموذج إسلامي سيادي مستقل وناجح ومتقدم، قابل للانتشار والتأثير في محيطه.
في هذا السياق لم يكن الحصار الاقتصادي إجراءً عقابياً محدود الأثر، بل حجر الزاوية في حرب تركيبية طويلة الأمد، فالعقوبات صُممت لتكون شاملة ومركّبة تستهدف العملة والقطاع المصرفي والتجارة الخارجية والقدرة على الوصول إلى التكنولوجيا، بما يخلق ضغطاً تراكمياً على الحياة اليومية للمواطن الإيراني، هذا الضغط رافقته حملات إعلامية مدروسة تسعى إلى ربط كل أزمة معيشية بخيارات الدولة السياسية وثوابتها الإسلامية، وفصلها عن سياق العداء الغربي الأوسع.
الإعلام الغربي المعادي والعربي المتصهين لعب دوراً مركزياً في هذه المعركة من خلال بناء صورة نمطية ثابتة عن إيران، اختزلت الدولة في ثنائية "النظام مقابل الشعب"، وتعمدت تغييب تعقيدات البنية السياسية والاجتماعية، وحجم المؤامرات والتهديدات الخارجية، هذا الأسلوب ينسجم مع ما طرحه "جوزيف ناي" حول إعادة تشكيل التفضيلات، حيث لا يكون المطلوب إقناع الجمهور بحب الخصم، بقدر دفعه إلى فقدان الثقة بذاته وبمؤسساته وقيادته ومرجعياته.
الى جانب الاقتصاد والإعلام استُخدمت أدوات أمنية وسياسية أكثر حساسية، شملت دعم محاولات اختراق داخلية وتغذية نزاعات هامشية واستثمار بعض الاحتجاجات المطلبية لتحويلها إلى منصات صدام سياسي، هذه المحاولات لم تكن متطابقة في كل مرحلة، لكنها اشتركت في هدف واحد وهو نقل مركز الثقل من المواجهة الخارجية إلى الداخل الإيراني.
فهم هذه الحرب باعتبارها عملية تركيبية خارجية، تستثمر سلسلة الأزمات الداخلية المتفرقة، شكّل لاحقاً الأساس الذي بُنيت عليه استراتيجيات الصمود، وهو ما ستكشفه المراحل التالية من التجربة الإيرانية.
مع مرور الوقت انتقلت الحرب التركيبية ضد الجمهورية الإسلامية في إيران من مرحلة الضغط الخارجي المكشوف إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تقوم على تفكيك العلاقة بين الدولة والمجتمع، لينكشف أن العقوبات لم تعد هدفاً بحد ذاتها، بل تحولت إلى أداة لتهيئة البيئة الاجتماعية والنفسية اللازمة لتفعيل أدوات أخرى، أبرزها الشارع والإعلام الداخلي والخارجي والحرب الإدراكية، تتعامل مع كل خلل اقتصادي أو إداري باعتباره فرصة لإعادة تأطير وتوسيع الصراع وتحويله من مواجهة وطنية وسيادية مع الخارج إلى أزمة ثقة داخلية.
برز توظيف الاحتجاجات المطلبية كأحد أهم مفاصل الاشتباك، إذ لم تكن كل التحركات المطلبية موجّهة أو مصنّعة، لكن ما ميّز المقاربة الأمريكية والغربية هو سرعة الاستثمار السياسي والإعلامي فيها، فالشعارات تُعاد صياغتها والمطالب تُرفع سقوفها والخطاب يتجه تدريجياً من النقد الوطني المشروع إلى محاولات للمطالبة بنزع الشرعية، هذا الأسلوب ينسجم مع ما دوّنته مدارس "الصراع منخفض الحدة"، التي تنظر إلى الشارع كأداة ضغط قابلة للتوجيه، وتخرجه من موقعه كفاعل مستقل.
على المستوى الأمني ترافقت هذه الضغوط مع عمليات استهداف ممنهجة، شملت الاغتيالات والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، ونشر الفوضى ومحاولات اختراق للبنية التحتية الوطنية، هذه العمليات وإن بدت منفصلة إلا أنها كانت جزءاً من رسالة مركّبة تهدف إلى إظهار الدولة بمظهر العاجز عن حماية مؤسساتها ومجتمعها، ولعب الإعلام دور المضخّم لهذه الرسائل عبر التركيز على الأثر النفسي للعملية أكثر من بعدها الأمني أو المجتمعي.
في مواجهة هذا المسار اعتمدت إيران مقاربة متعددة المستويات، ولم يُختزل الرد في البعد الأمني، بل عملت المؤسسات الرسمية على إعادة تفسير الأحداث للرأي العام وربطها بالسياق الاستراتيجي الأشمل، وسعى الخطاب الرسمي في مراحل مفصلية إلى الاعتراف بالمشكلات الداخلية من دون فصلها عن الحرب المفروضة، ما ساهم في تقليص هامش الاستثمار الخارجي في السخط الشعبي.
الأهم في هذه المرحلة كان إدراك أن المعركة الأساسية تُخاض على الوعي، كلما جرى تفكيك السردية المعادية وتوضيح الترابط بين الضغط الاقتصادي والتحريض السياسي، تراجعت قدرة الحرب التركيبية على تحقيق اختراق حاسم حتى في أكثر اللحظات حساسية.
تتضح ملامح الصمود الإيراني عند قراءته كنتاج تفاعل واعٍ مع طبيعة الحرب الخارجية وحجم الاستهداف، وليس مجرد رد فعل ظرفي على ضغوط داخلية متفرقة، فمع تراكم الخبرة جرى الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء مقاربة وقائية، تُقلّص مسبقاً قابلية الداخل للاختراق، أحد أهم عناصر هذه المقاربة كان كسر وهم الفصل بين الملف الخارجي والملف الداخلي، والتأكيد على أن الاقتصاد والإعلام والأمن والسياسة كلها ساحات مترابطة في معركة واحدة يخوضها الأعداء ضد إيران الدولة والشعب، والمواجهة بالوعي والبصيرة هي السلاح الفتاك في هذه المعركة.
على المستوى الاقتصادي انتقلت شعارات الاكتفاء الذاتي من الخطاب التعبوي إلى سياسات عملية، شملت دعم الإنتاج المحلي وتنويع الشراكات التجارية والالتفاف على القيود المالية عبر آليات بديلة، وعلى الرغم من أن هذه السياسات لم تُلغِ كلفة العقوبات لكنها استطاعت أن تحد من قدرتها على شلّ الدولة أو دفعها إلى تنازلات استراتيجية، الأهم أنها منحت المجتمع شعوراً بوجود مسار مقاومة اقتصادي، لا يهدر الوقت بالانتظار لرفع الضغط الخارجي.
في المجال الإعلامي خاضت إيران معركة استعادة السردية عبر إنتاج خطاب داخلي يربط بين الوقائع اليومية والسياق الجيوسياسي الأوسع، هذا الربط لعب دوراً حاسماً في منع تحويل الغضب الاجتماعي إلى قطيعة سياسية وساهم في إبقاء بوصلة العداء موجهة نحو مصدر الضغط الحقيقي، فالوعي هنا تجاوز الشعارات العامة ليصبح أداة دفاع فعالة.
أما على المستوى الأمني والسياسي فقد جرى تطوير القدرة على امتصاص الصدمات عبر ضبط ردود الفعل، ومنع الانجرار إلى السيناريوهات الأمريكية و"الإسرائيلية" المجهزة بإحكام لتفجير الوضع الداخلي، واتسم التعامل مع الاحتجاجات في كثير من المحطات، بمزيج من الحزم والاحتواء ما حرم المتربصين من مشهد الفوضى الذي يشكل الوقود الأساسي للحرب التركيبية.
تجربة الجمهورية الإسلامية تُظهر أن هذه الحروب مهما بلغت درجة تعقيدها تفقد فعاليتها حين تُواجَه برؤية شاملة وبقيادة قادرة على قراءة الزمن الاستراتيجي خارج نطاق اللحظة الانفعالية، والصمود هنا لم يكن عبر إنكار الأزمات، بل من خلال القدرة على إدارتها ضمن معركة سيادية طويلة النفس، تُدرك أن الهدف النهائي للعدو لا يتوقف عند إسقاط حكومة فحسب، بل يسعى إلى كسر النموذج وإضعاف الإرادة والدفع بالدولة نحو هاوية الفوضى والإنهيار وهو ما لم يتحقق رغم عقود من الضغط المتواصل.
بعد تعثّر الحسم العسكري انتقل الاشتباك ضد اليمن إلى مسار أكثر تعقيداً، قوامه إدارة صراع طويل الأمد يستهدف الداخل بأدوات ناعمة وتركيبية، تسعى إلى تحقيق ما عجزت عنه الحرب الصلبة بالعمليات العسكرية الممتدة منذ ما يزيد عن عقد من الزمن، هذا التحول يتجاوز التكتيك العابر إلى إعادة التموضع المدروس ضمن فلسفة الحرب الحديثة التي طوّرتها مراكز القرار في الولايات المتحدة، حيث يُنظر إلى مجتمعاتنا باعتبارها ساحات قابلة للتآكل البطيء إذا ما ضُربت نقاط تماسكها الحيوية.

في الحالة اليمنية شكّل الخنق الاقتصادي المدخل الأوسع لهذه الحرب، فالتعطيل الممنهج للمرتبات وتضييق حركة الاستيراد والتلاعب بالعملة وإرباك السياسات المالية، كلها أدوات استُخدمت لإنتاج ضغط معيشي متراكم، في ظل مغالطات متواصلة تسعى إلى عدم السماح بقراءة هذا الضغط ضمن سياق العدوان والحصار، وتأطيره إعلامياً كنتيجة طبيعية لإدارة داخلية فاشلة، في محاولة لعزل السبب عن المسبّب وتحويل الغضب الشعبي بعيداً عن مصدره الحقيقي.
بالتوازي تم تفعيل الحرب الإعلامية والنفسية على نطاق واسع، وأصبحت المنصات الرقمية ومواقع التواصل ساحات اشتباك إدراكي يومي وعلى مدار الساعة، تُضخّ فيها سرديات الإحباط وتُضخّم الأخطاء الإدارية وتُختزل التحديات المركبة في عناوين تبسيطية تستهدف الوعي قبل الموقف، هذا النمط ينسجم مع مقاربات الحرب الإدراكية التي ترى أن تغيير الإدراك الجمعي مقدمة لتغيير السلوك السياسي دون الحاجة إلى تغيير موازين القوة على الأرض.
الأخطر في هذا المسار هو السعي لاختراق المؤسسات من الداخل عبر استثمار بعض القرارات الارتجالية أو غير المدروسة، والتي قد تصدر بحسن نية لكنها تُحقق موضوعياً أهداف العدو، مع الإشارة إلى أن تراكم هذه القرارات بالتزامن مع الضغط الاقتصادي والإعلامي، تتشكل بيئة سخط قابلة للتسييس بسهولة وتتحول الأزمة المعيشية إلى نواة تفجير داخلي محتمل.
فهم هذا الواقع يفرض قراءة ما يجري في اليمن في إطار الحرب التركيبية المتكاملة، وعدم الانجرار وراء من يروج أن الأمر عبارة عن سلسلة من الأزمات المتراكمة والمنفصلة، وبغير هذا الفهم ستصبح المعالجات مجتزأة، وتُترك الساحة الداخلية مكشوفة أمام أدوات صُممت خصيصاً لاستنزافها بهدوء متدرج على المدى الطويل.
لا تكتمل الحرب التركيبية في الحالة اليمنية من دون تفعيل البعد الاستخباري والاجتماعي، حيث يجري العمل على تفكيك النسيج الداخلي عبر أدوات تبدو في ظاهرها معيشية أو إدارية، وفي هذا المستوى يُعاد تعريف مفهوم "الاختراق" ليشمل ما هو أوسع من التجسس التقليدي، ليطال صناعة القرار وتوجيه الرأي العام وإعادة إنتاج الانقسامات المناطقية والاجتماعية التي تتحول من حالات عابرة إلى حقائق ثابتة، هذا الأسلوب يعكس جوهر المقاربة الغربية الحديثة التي ترى أن السيطرة على القرار لا تتطلب دائماً السيطرة على الأرض.
وفي هذا الإطار تعتبر العوامل الداخلية الحلقة الأضعف والأكثر حساسية، لسهولة الاستثمار في أخطاء الإدارة وقلة الخبرة وضعف التنسيق المؤسسي والبطء في المعالجة وعدم تقديم التوضيحات أو احتواء الأزمات، لتصبح هذه العوامل أدوات ضغط في ظل التضخيم والتضليل الاعلامي، ويُعاد تقديمها كدليل على العجز البنيوي، بهدف نزع الثقة وتحويل التذمر الطبيعي إلى حالة قطيعة شعبية مع الدولة، وتتلاقى هنا الحرب الناعمة مع الحرب النفسية في هدف رئيسي واحد كسر الرابط بين المجتمع ومؤسساته.
في الوقت ذاته يتوسع نشاط شبكات العملاء والجواسيس ليتخذ أشكالاً متعددةً، بعضها تقليدي وبعضها مستتر ضمن أطر اقتصادية أو إعلامية أو مدنية، وهذه الشبكات لا ينحصر عملها بالضرورة على نقل المعلومات فقط، بل تتحرك في توجيه المزاج العام وإشاعة الإرباك وتسريب وبث الشائعات في اللحظات الحساسة، وينطلق أغلب نشاطها من المنصات الرقمية التي توفّر لها البيئة المثالية لهذا النمط من العمل، حيث تختلط المعلومة الصحيحة بالمضللة ويصعب التمييز بين النقد الصادق والاستهداف الموجّه من غرف عمليات مخابرات العدو.
الهدف النهائي لهذا المسار يتجاوز فكرة إسقاط الدولة دفعة واحدة، إلى إدخالها في حالة الإنهاك الذاتي المستمر، فعندما ينشغل الداخل بصراعاته وتآكل ثقته، تتراجع قدرته على مواجهة التحديات الخارجية وتصبح القرارات السيادية أكثر كلفة وأقل شعبية، وهذا ما تسعى إليه الحروب التركيبية، أن تصبح الدولة كيان مشغول بالدفاع عن نفسه من الداخل، بدلاً من أن يواجه مصدر التهديد الخارجي الحقيقي.
إدراك هذا البعد يضع المسؤولية على عاتق المؤسسات الرسمية والنخب الاجتماعية معاً، فالمعركة تحتاج إلى دولة قادرة على إدارة ذاتها بحكمة، ومجتمع قادر على التمييز بين الخطأ القابل للإصلاح، والاستهداف الذي يراد له أن يتحول إلى شرخ دائم.
في مواجهة هذا النمط المعقّد من الحروب يتحقق الانتصار عبر مسار متكامل يقوم على الوعي وسرعة المعالجة والحفاظ على التماسك الداخلي، وما مر به اليمن خلال الأعوام الأخيرة يكشف أن أخطر ما في الحرب الناعمة والتركيبية، قدرتها على استثمار التأخير والتردد وسوء التقدير وتحويل كل ذلك إلى عوامل هدم ذاتي، ولمواجهة مخاطرها الحالية والقادمة علينا أن نؤمن بأهمية الوقت (قيمة السرعة)، لأن الزمن عامل حاسم وكلما طال أمد الأزمة من دون معالجة واضحة، اتسعت المساحة أمام الاستغلال الخارجي.
أولى ركائز المواجهة تتمثل في الإدارة الرشيدة للأزمات المعيشية، عبر الشفافية في شرح الواقع وتحدياته، وعندما يشعر المواطن أنه شريك في الفهم، وليس مجرد متلقٍ للنتائج، تتراجع قابلية السخط للتحول إلى أداة تفجير، هذا البعد الإدراكي لا يقل أهمية عن أي إجراء اقتصادي، لأن الحرب في جوهرها تستهدف الإحساس بالعجز وفقدان الأمل قبل أن تستهدف الواقع المادي نفسه.
الركيزة الثانية هي ضبط الخطاب الإعلامي الرسمي والوطني والشعبي، بحيث لا يتحول النقد إلى منصة مفتوحة لتكرار سرديات العدو، فالنقد البناء ضرورة وطنية لكن فصله عن السياق العام للصراع يحوّله من حيث لا نشعر، إلى جزء من الحرب الناعمة، المطلوب إعلام واعٍ قادر على التمييز بين الخطأ الداخلي القابل للتصحيح، وبين التوظيف الخارجي الذي يسعى إلى تعميم الفشل ونزع الشرعية.
أما الركيزة الثالثة فتتمثل في تعزيز الارتباط العضوي بين الشعب والدولة، هذا الارتباط يبنى بالإحساس المتبادل بالمسؤولية، وعندما تُدار الخلافات داخل الأطر الوطنية وتُعالج الأخطاء بسرعة وحزم، تُغلق كل الثغرات التي تتسلل منها أدوات الاختراق، وهنا تتجلى الحكمة اليمانية، كمنهج عملي في إدارة الصراع، ينطلق من هوية إيمانية تملك كل مصادر القوة والتمكين.
لقد شهد اليمن محاولات متعددة لتفجير الداخل في السنوات الماضية، لكنها سقطت تباعاً أمام صلابة المجتمع وقدرته على قراءة ما وراء الأحداث، وهذا لا يعني أن الخطر زال، بل إن اجتياز هذا الامتحان الصعب ممكن، متى ما توافرت البصيرة، ووُضع الوعي في موقعه الطبيعي كسلاح دفاعي أول، في معركة تُخاض في العقول والضمائر قبل أي ساحة أو ميدان أو مكان آخر.

أترك تعليقاً

التعليقات