ازدواجية «اليانكي»!
 

محمد القيرعي

محمد القيرعي / لا ميديا -
من منظوري كـ"خادم"، اكتسب كل من الرئيس الأمريكي الراحل جون إف كنيدي وشقيقه الراحل أيضاً روبرت كنيدي الذي شغل منصب المدّعي العام في إدارة شقيقه، صفة شهداء الإنسانية الأكثر سمواً وحضوراً في ذاكرتي، من خلال قيمهم ومثلهم الإنسانية العليا التي جسدوها بجلاء عبر دعمهم وتضامنهم المطلق إبان فترة حكمهم مع قضايا وتطلعات زنوج بلادهم التحررية الذين نالوا في عهدهم القصير نسبيا نصرهم الأعم.
ومع هذا فإن سمة القداسة للشقيقين كنيدي سرعان ما تنتفي تماما من مخيلتي كشيوعي وكعقائدي ماركسي، كون الرجلين كانا في الوقت عينه من ألد أعداء حملة ومعتنقي الفكر الماركسي أينما وجدوا على امتداد المعمورة.
المنظور الفلسفي نفسه تقريباً هو ما يحكم نظرتي لشخص الرئيس الحالي (جو بايدن): القداسة لروابطه التقدمية القوية مع أقراننا من زنوج أمريكا، والازدراء لعدائه الملحوظ لبقية أحرار العالم ومظلوميه والذي جسده بوضوح لا لبس فيه سواء من خلال تخاذله الملحوظ الشهر الفائت في إيقاف نزيف الدم الفلسطيني المهدور بغزارة بواسطة القذائف "الإسرائيلية" والتواطؤ العربي، أم من خلال قرصنته الأخيرة لمنابر إعلام المقاومة التحررية العربية والإسلامية.
من خلال تلك الخطوة المسرحية المثيرة للاشمئزاز التي أقدمت عليها إدارة الرئيس بايدن والمتمثلة بحظر وإغلاق عدد من المواقع الإخبارية والإعلامية المهمة التابعة للجمهورية الإسلامية في إيران، بالإضافة أيضاً إلى موقع قناة "المسيرة" اليمنية الناطقة بلسان حركة أنصار الله (الحوثيين)، بذريعة وقفها للتضليل الإعلامي والتصدي للخطاب التعبوي والتحريضي الذي تشنه تلك المواقع والمؤسسات الإعلامية المستهدفة من الحظر، حسب المزاعم الأمريكية.
ثم وبعد يومين فقط تفاجئنا إدارة بايدن باعترافها الضمني بشرعية حركة أنصار الله بوصفها جزءاً رئيسياً من المكون الوطني اليمني وقوة سياسية وحركية وعسكرية مهيمنة على الأرض... إلخ.
وإن كان اللافت للانتباه في هذا الصدد يكمن في أن قرار إدارة بايدن ذاك جاء مباشرة وعقب أيام قلائل فقط على اختتام الانتخابات الرئاسية الإيرانية والتي وإن جاءت نتائجها من ناحية أولى محبطة لآمال أمريكا الإخضاعية ومحظياتها في منطقة الشرق الأوسط ("إسرائيل" والخليج)، إلا أنها ومن الناحية الأخرى وبالنظر إلى حجم التغطية الإعلامية العالمية الواسعة والمفصلة التي حظيت بها قد شكلت ما يمكن وصفه بالصدمة السياسية والنفسية الهائلة بالنسبة للأمريكان أنفسهم، بالنظر إلى الصورة الحضارية المثلى والمظفرة التي جسدها الإيرانيون حول ماهية التداول السلمي للسلطة، وذلك على النقيض تماما من تلك الصورة المخزية والمشوهة التي قدمتها لنا قبل أشهر ثمانية فقط "الأم المفترضة لديمقراطيات العالم الحر" الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي أسهمت في إيقاظ أمريكا من سباتها بالنظر إلى حجم المعضلات والشروخ والانقسامات الاجتماعية والطبقية والعرقية التي برزت جلية في حياة الأمريكيين بدرجة ستفرض ولا شك على هذه الإمبراطورية الاستبدادية الشروع من الصفر ربما في إعادة بناء وتأهيل الأمة الأمريكية وإعادة تعريف هويتها المجتمعية والسياسية والوطنية.
طبعا، لا أعتقد أن البعض بحاجة إلى معدل ذكاء أعلى ليدرك أن الهدف الرئيسي وراء القرصنة الأمريكية على الإعلام الحر والمقاوم يهدف بالدرجة الأساس إلى تكميم هذه المنابر ومنعها من إيصال الحقائق إلى متلقيها في شتى مناطق العالم، خاصة مع حجم التأثير الهائل الذي خلفته وتخلفه على الدوام تلك المواقع والمنابر الإعلامية، سواء فيما يخص جهودها المبذولة في التصدي لسياسات التآمر التطبيعي المحموم بشقيه المعلن على غرار الإمارات والبحرين والمغرب والسودان أم التطبيع المبطن الشبيه إلى حد بعيد بالزواج العرفي القائم ما بين الرياض و"أورشليم"، خصوصاً وأن الإنجاز الأهم الذي نجح بتحقيقه الإعلام الثوري المقاوم، وتحديدا خلال الأشهر التسعة الفائتة من مرحلة بدء التطبيع، لم يقف فحسب عند حدود فضح أبعاد ودوافع هذا المشروع الذي يمس في الصميم أمن واستقرار وسلامة وسيادة وكرامة الأمتين العربية والإسلامية دون استثناء، بقدر ما نجحت وبشكل ملحوظ في تجريد أمراء التطبيع ورموزه (من محظيات نتنياهو) من اكتساب أي قبول أو تأييد أو شرعية جماهيرية لدعم مشروعهم التآمري على امتداد المشهدين العربي والإسلامي... إلخ.
بالإضافة إلى ذلك نجح الإعلام المقاوم في عرض وإبراز مختلف الهزائم السياسية والعسكرية المتلاحقة التي تطال "محظيات أمريكا في المنطقة" وعلى رأسها مملكة سلمان ونجله محمد، على غرار نقلها وتغطيتها الموسعة بالأدلة والقرائن غير القابلة للدحض لعملية جيزان الأخيرة أواخر مايو الفائت بما أفرزته من إذلال مهين لنظام بني سلول من جهة، ومن إحراج مشين لسادتهم في واشنطن الذين لم يفلحوا من خلال تآمرهم المنهجي ودعمهم الحربي والاستخباراتي والسياسي والمعنوي المفتوح لتحالف الرذيلة بقيادة بني سعود من تقليم أظافر "مليشيا انقلابية" حسب وصفهم، مسلحة بأسلحة بدائية وتقليدية، والتي كان محمد بن سلمان قد سارع أصلا وقبل ست سنوات وثلاثة أشهر تحديدا وعبر متحدثه العسكري آنذاك أحمد عسيري بتمكنه من تدمير 97% من قدرات "الحوثيين" العسكرية والحربية.
خلاصة القول هي أنه وإزاء كل هذه الحقائق فإن قرار القرصنة الأمريكية على مواقع ومؤسسات الإعلام الحر والمقاوم ما هو إلا انعكاس فعلي لحالة الفشل والإخفاق المتوالي لأمريكا ومحظياتها في محاولتهم الحثيثة إخضاع من هم عصيون أصلا على الخضوع.

* الرئيس التنفيذي لحركة الدفاع عن الأحرار السود في اليمن ـ رئيس قطاع الحقوق والحريات في الاتحاد الوطني للفئات المهمشة في اليمن.

أترك تعليقاً

التعليقات